تحسين الشيخلي
كان الإغريق القدماء أكثر دقة مما نتصور في مراقبة الانفعالات الإنسانية. لم يضعوا الغضب كله في معنى واحد، بل ميزوا بين حالات مختلفة منه. كان لديهم (Mēnis)، الغضب العميق والمدمر الذي تفتتح به الإلياذة في الحديث عن غضب أخيل، و(Thymos)، الحمية والقوة الانفعالية التي تثور عندما يشعر الإنسان بأن كرامته أو مكانته أو ما يعده جزء من وجوده أصبح مهدد، ثم (Lyssa)، حين ينفلت الانفعال ويتحول إلى هيجان تتراجع أمامه سلطة العقل.
تذكرت ذلك وأنا أتابع مأساة البوعيثة جنوبي بغداد، التي وقعت أثناء حملة لإزالة منازل متجاوزة، وانتهت بمقتل ضابط شرطة برتبة عميد وأحد المنتسبين وإصابة آخرين أثناء تأديتهم واجبهم. لا يوجد ما يبرر أخلاقيا أو قانونيا إطلاق النار وقتل إنسان يؤدي واجبه، والغضب مهما كانت أسبابه لا يعفي صاحبه من مسؤولية فعله.
لكن إدانة الجريمة شيء، وفهم الطريق الذي أوصل إليها شيء آخر. وهنا خطر لي سؤال، هل أدرك الإغريق قبل آلاف السنين أن الغضب يمكن أن ينتقل بالإنسان من الحمية والانفعال إلى حالة يتراجع فيها حكم العقل، بينما نتعامل نحن في القرن الحادي والعشرين مع الإنسان وكأنه مجرد رقم في ملف إداري؟
لم يكن لدى الإغريق علم النفس وعلوم الأعصاب التي نملكها، لكنهم امتلكوا ملاحظة عميقة للطبيعة البشرية. وما عبروا عنه بـ(Thymos) و(Lyssa) نملك اليوم معرفة علمية أكثر دقة لفهمه وإدارة مخاطره.
وفي ثقافتنا الإسلامية نجد إدراك آخر للغضب، لكن من زاوية أخلاقية. فالقرآن يمتدح (الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)، والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يقول(ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). لم ينكر الإسلام وجود الغضب، وإنما جعل القوة في السيطرة عليه قبل أن يتحول إلى أذى. وهنا، رغم اختلاف الأزمنة والمرجعيات، نلتقي عند حقيقة واحدة، المشكلة ليست في أن يغضب الإنسان، بل فيما يفعله عندما يغضب.
لكن حادثة البوعيثة تضع أمامنا جانب آخر من القضية.
لنتصور مواطن محدود الدخل يبحث عن بيت لعائلته. يشتري قطعة أرض وهو يعتقد ، بحق أو بغير حق، أنه يستطيع البناء عليها، وينفق ملايين الدنانير وربما مدخرات عمره، ثم يعيش فيها سنوات مع أسرته. بالنسبة إليه لم يعد البيت طابوق وإسمنت، بل أصبح أمان وذاكرة ومستقبل.
وهذه البيوت لم تظهر في ليلة واحدة. كانت تكبر على مدى سنوات أمام مؤسسات الدولة. وهنا يصبح السؤال، إذا كان البناء غير قانوني، فلماذا لم يمنع عند وضع الأساس الأول بدل من الانتظار حتى أصبح الأساس بيت والبيت شارع والشارع تجمع سكني؟
والأكثر ،أن الدولة لم تكن غائبة عن هذه المناطق. فقد وصلت إليها أشكال من الكهرباء والماء والخدمات البلدية ورفع النفايات، واستمر البناء أمام أعين المؤسسات المعنية. صحيح أن تقديم الخدمة لا يمنح سند ملكية ولا يحول التجاوز إلى حق قانوني، لكنه يصنع لدى المواطن مع مرور السنوات ما يمكن تسميته (الثقة المتراكمة بالاستقرار). فالإنسان لا يقرأ موقف الدولة من السجل العقاري وحده، بل من سلوكها تجاهه أيضا.
ثم تأتي الجرافة.
بالنسبة إلى المؤسسة هناك قرار إزالة، أما بالنسبة إلى الإنسان فهناك بيت ومدخرات وعائلة ومستقبل يراه ينهار أمامه. هنا يمكن أن نفهم اشتعال (Thymos)، لكننا لا نبرر انتقاله إلى الرصاصة. عندما يحمل الإنسان السلاح تبدأ مسؤوليته الجنائية كاملة.
غير أن المسؤولية العامة لا ينبغي أن تبدأ من لحظة إطلاق النار فقط. يجب أن نسير إلى الخلف ونسأل…
من قسم الأرض؟ من باعها؟ من قبض الأموال؟ من سمح بالبناء؟ من تغاضى عنه؟ ومن ترك المشكلة تتضخم حتى أصبحت مواجهة بين مواطن غاضب ورجل أمن يؤدي واجبه؟
فالضابط والمنتسب اللذان فقدا حياتهما لم يصنعا أزمة السكن، كما أن العائلات الفقيرة لم تصنع منظومة الفوضى العقارية. والمفارقة المؤلمة أن موظف الدولة والمواطن قد يجدان نفسيهما في المواجهة، بينما يبقى من صنع المشكلة أو استفاد منها، بعيدا عن الجرافة والرصاصة معا.
تطبيق القانون ضرورة، لكن هيبة الدولة لا تبدأ عندما تصل الجرافة. كان ينبغي أن تبدأ عند أول متر جرى الاستيلاء عليه، وأول عملية بيع مخالفة، وأول بيت بدأ بناؤه. فالدولة القوية ليست فقط التي تستطيع إزالة المخالفة، وإنما التي تمنع صناعتها منذ البداية.
وإذا كان الإغريق قد فهموا قبل آلاف السنين خطورة تحول الغضب، وإذا جعل الإسلام كظم الغيظ علامة على القوة، فإن معرفتنا الحديثة تجعل مسؤوليتنا أكبر: ليس بأن يتراجع القانون أمام الغاضب، وإنما بأن تكون الدولة أذكى من الغضب، فتتنبأ به وتحتويه وتعالج أسبابه قبل أن يتحول إلى دم.
العدالة للذين قتلوا وهم يؤدون واجبهم واجبة، ومحاسبة من أطلق النار واجبة أيضا، لكن العدالة تظل ناقصة إذا توقفت عند الزناد ولم تتبع السلسلة كلها إلى بدايتها.
فالدولة التي تستطيع تطبيق القانون دولة قوية، أما الدولة التي تعرف كيف تطبقه من دون أن تجعل المواطن وموظفها يقفان في النهاية خصمين وجها لوجه، فهي دولة قوية وحكيمة في آن واحد.


0 تعليقات