الباتشينو: سأمثّل ما دمت أستطيع الوقوف على قدميّ

مشاهدات




أعداد وترجمة: سرى دريول


خلال أكثر من نصف قرن من التمثيل والنجاح، لم يعد هناك من يجهل الباتشينو ممن له اهتمام بمواكبة النتاج السينمائي، فمن المؤكد انّه قد شاهد احد افلامه. بدأ الباتشينو مشواره الفني بفيلم صغير كان عنوانه Me, Natalie سنة (1969) لم يلقى اهتماما يذكر. وبعدها مثل في فيلم تحت ادارة المخرج جيري تشاتزبيرغ عنوانه The Panic in Needle Park سنة (1971).


سريعاً ما  صعد نجم الباتشينو وكون مكانة صرف آخرون سنوات عديدة لاحرازها. ففي عام واحد انتقل الباتشينو إلى الصفوف الاولى، عندما أصر المخرج فرنسيس فورد كوبولا على انّ يسند لهُ دور مايكل كورليوني في فيلم العراب(1972).

بدأ الباتشينو اهتمامه بالتمثيل في سن مبكر، وقام بدراسة التمثيل في سن المراهقة، مما اهله ليشق طريقه في نهاية المطاف من المسرح إلى الشاشة الكبيرة.

كان أدائه الرائع للكثير من الادوار لفت اليه انظار كبار المخرجين، وقد لعب دور البطولة في مجموعة متنوعة من الافلام خلال مسيرته الفنية، كما أخرج العديد من الأفلام أيضًا.

ولد (ألفريدو جيمس الباتشينو) في مدينة نيويورك في 25 أبريل (1940)، وهو الصبي الوحيد لمهاجرين ايطاليين من صقلية كانا قد انفصلا عندما كان طفلاً صغيرًا. انتقل مع والدته إلى منزل أجداده في جنوب برونكس، حيث قال: " كنت خجولا للغاية، وعندما كنت في الثالثة من عمري بدأت أمي تأخذني إلى السينما، في اليوم التالي بعد كل مشاهدة، كنت أقوم بتمثيل جميع أجزاء الفيلم امام المرآة. حيث كانت جدتي في الغرفة أخرى تسمعني وتقول: "انه بخير هو فقط يحب التحدث إلى نفسه" كنت حقًا وحدي حقا في السنوات السبع الأولى من حياتي عندما كان في السادس عشر العمر،  توقفت والدته عن العمل بسبب صحتها وكان عليه دعمها في ذلك الوقت.

لذا غادر المنزل ليبحث عن وظيفة ولم يستطع البقاء في اي وظيفة لفترة طويلة. ظل يمني والدته بأنه سيقوم قريبًا بشيء كبير، في ذلك الوقت التقى بشخص وعده بان يجعله رسامًا حقيقيًا. اخبرت والدتي بذلك ولكنها لم تصدقني، بدا ذاك الشخص مهما جدا لي في ذاك الوقت.

وجد الباتشينو نفسه مفتونا بتكرار أصوات الشخصيات التي شاهدها في الأفلام، مما جعله  يشعر بالملل وعدم الحماس في المدرسة، لذا وجد ملاذه في مسرحيات المدرسة، بدءًا من المسرح، وخلال ذلك مر بفترة من الاكتئاب والفقر، واضطر في بعض الأحيان إلى استعارة أجرة الحافلة للنجاح في الاختبارات. دخل استوديو الممثلين المرموق في عام (1966)، ودرس تحت إشراف)لي ستراسبرغ(، مبتكرا منهج الأسلوب الذي سيصبح علامة تجارية للعديد من الممثلين في حقبة السبعينيات. 

بعد ظهوره في سلسلة من المسرحيات في الأدوار المساندة، حقق الباتشينو أخيراً النجاح خارج برودواي مع إسرائيل هوروفيتزفي فيلم " The Indian Wants the Bronx "، الذي فاز بجائزة أوبي لموسم(1966-1967). وأعقب ذلك فوزه بجائزة توني عن مسرحية (هل يرتدي النمر ربطة عنق؟).

جذب ادائه في  دور مدمن مخدرات  انتباه المخرج فرانسيس فورد كوبولا، الذي كان في خضم البحث عن ممثل لاداء دور مايكل كورليوني في فيلم العراب، وبحسب مؤلف الرواية ماريو بوزو، الذي كان يبحث عن مخرجٍ ليحول روايتهُ إلى فيلمٍ سينمائي، كان العبقري سيرجيو ليوني الخيار الأول، لكنه رفض العرض وفضل العمل على مشروعه الخاصOnce Upon A Time in America، فتم ترشيح بيتر بوغدانوفيتش، بيتر ييتس، ريتشارد بروكس، آرثر بين، كوستا غافراس، و أوتو بيرمينغر، وآخرين ليقابل عرض المشروع عليهم دائماً بالرفض، ولكن كوبولا قبل بأخراج الفيلم لأنه يدين بـ400 ألف دولار لشركة (الاخوة وارنر) وبحاجة للعمل على مشروعٍ كهذا للحصول على ما يفي دينه.

مع موافقة كوبولا اخراج الفيلم الا انه لم  يقبل أن يصنعه كما اراد منتجوه، فرفض فكرة نقل الاحداث من الأربعينيات والخمسينيات الى الوقت الحاضر للتوفير في الميزانية. وتم صرف النظر عنها، كما إعاد كتابة النص بالمشاركة مع مؤلف العمل بوزو، وكانت هذه بداية الصدامات بين منتجي الفيلم وصناعه، والتي لم تنته حتى الانتهاء من انجاز الفيلم.

حاول المنتجون اتخاذ اكثر من حجةٍ لاستبعاد كوبولا، ابتداءً من التذمر حول كونه عاجزاً عن الالتزام بجدول التصوير، إلى اتهامه بالإسراف بالنفقات وسوء اختياره للممثلين، غير انه فاجئهم بانتهائه من تصوير الفيلم قبل الموعد المحدد وبميزانية أقل مما تم تحديده، كما أن الممثلين الذين اختارهم بناءً على اختبارات الأداء التي أجراها في منزله بشكلٍ شخصي ولم يوافق عليهم روبرت إيفانس أحد المشرفين على الإنتاج اولأ، هم أنفسهم الذين تم اختيارهم بعد إعادة العملية بشكل رسمي بناءً على طلب إيفانس والتي كلفت قرابة 420 ألف دولار، وكان المختارون الباتشينو، جيمس كان، روبرت دوفال، وديان كيتون.

كانت ردة فعل ستوديو باراماونت على ما حدث طوال الفترة الماضية هو التشبث باختيار الممثل الذي يقوم بدور مايكل كورليوني على المخرج فرانسيس فورد كوبولا، فقد أراد مسؤولي الاستوديو أن يسندوا الدور إلى ممثل شاب من الصف الأول وعلى الرغم من قناعة كوبولا بهذه الفكرة واسناد الدور لنجوم بارزين، امثال روبرت ردفورد وجاك نكلسون، الا انّه اختار في نهاية المطاف الباتشينو غير المعروف نسبيًا انذاك للعب دور مايكل كورليوني.

تم انتاج فيلم العراب في عام 1972، وحقق نجاحًا كبيرًا وعلى نطاق واسع ويعتبر واحدا من بين أعظم الأفلام في تاريخ السينما.

وكان الفيلم يجسد حياة المافيا الإيطالية، لعائلة كورليوني المجرمة، أطلق هذا الفيلم نجومية الممثل الموهوب الباتشينو، مع العلم أن الباتشينو كان على وشك ترك الفيلم بسبب معارضة الشركة المنتجة لإسناد الدور لهُ، لكن الدعم القوي الذي تلقاه الباتشينو من الممثل الشهير مارلون براندو أسكت كل المعارضين. وسيطر العراب على جوائز الأوسكار لعام 1973. 

وقد حقق الفيلم إيرادات بلغت 270 مليون دولار أمريكي. كان بامكانة بعد ذلك اختيار ادوار أسهل للحصول على المال، اختار تمثيل دراما الجريمة الواقعية في Serpico (1973) والسطو المأساوي على  البنك الحقيقي فيلم Dog Day Afternoon (1975). ولذا تم ترشيحه لثلاث سنوات متتالية لجائزة الأوسكار "كأفضل ممثل". تعثر قليلاً عمله مع بوبي ديرفيلد (1977)، لكنه استعاد خطوته مع And Justice for All (1979)، حيث حصل على ترشيح آخر لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل. لسوء الحظ، اشار هذا إلى بداية اهتزاز في حياته المهنية، والتي أنتجت انزياحات مثل فيلم Cruising (1980) وفيلم مؤلف! مؤلف! (1982). 

الفيلم الثوري تحت عنوان الحرب ، الذي يعتبر من أسوأ الأفلام التي تم إنتاجها على الإطلاق، أسفر عن مراجعات نقدية فظيعة مما اضطرة للابتعاد عن الشاشة للسنوات الأربع التالية. بالعودة إلى المسرح، قام الباتشينو بالكثير لرد الجميل والمساهمة في المسرح، الذي يعتبره حبه الأول. أخرج فيلمًا بعنوان The Stigmatic (1990)، لكنه لا يزال من غير تمويل. رفع هذا الحظر الذي فرضه على نفسه مع فيلم Sea of Love (1989) في دوركشرطي يشرب الخمر. كانت هذه المرحلة الثانية من مسيرة الباتشينو المهنية ،فالأولى  تميزت بعيونه الداكنة الشهيرة، والصوت الخشن .

في عام (1990) مثل الجزء الثالث من فلم العراب، كما حصل على دور كوميدي في نفس العام. وهذا ما أكسبه ترشيحًا آخر لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد. اتجه الى اختيار ادوار رومانسية كما في فيلم  فرانكي وجوني (1991). في عام(1992) ، وحصل على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن أدائه المذهل في  Scent of a Woman  (1992). الذي مثل مزيج من الكمال الفني (يلعب دور رجل أعمى) والكاريزما ، وكأن الدور كتب خصيصا له.

في)2000)، تألق باتشينو في عدد من الأفلام الرائجة المسرحية، بما في ذلك Ocean's Thirteen (2007)، ولكن اختياره في الأدوارالتلفزيونية  في مسلسل HBO miniseries Angels in America عام)2003( وتصويره الحساس لجاك كيفوركيان، في الفيلم التلفزيوني بعنوان انت لا تعرف جاك (2010) ، تذكرنا بالخيارات الأكثر جرأة في حياته المهنية المبكرة. وحصل كل مشروع تلفزيوني على جائزة Emmy Award لأفضل ممثل بارز في Miniseries .

ارتبط عاطفيا الباتشينو بزميلته في ثلاثية العراب ديان كيتون، وانتهت علاقتهما بعد الانتهاء من تصوير فيلم. وايضاً ربطته علاقات أخرى مع كل من تيوزداي ويلد، وجيل كلايبراج، ومارت كيلر، وكاثلين كوينلان، وليندال هوبس. ارتبط الباتشينو بعلاقة استمرت عشر سنوات مع الممثلة الأرجنتينية لوسيلا بولاك من عام (2008) حتى عام (2018) وعلى الرغم من أنهما لم يتزوجا، تشير ابنة بولاك، كاميلا موروني، إلى الباتشينو بأنه زوج أمها.

رشح الباتشينو إلى 114 جائزة مختلفة. ظل نجماً لمدة اربع واربعين عاما، ولايزال يظهر اهتمامه بالمواهب الشابه، وكذلك يعمل معهم في الكثير من الاعمال. 

 

إرسال تعليق

0 تعليقات