ازمة كورونا و مراسيم استقبال شهر رمضان في الوطن العربي

مشاهدات




مروة حسن الجبوري  

 

 العام الثاني على التوالي يستقبل المسلمون شهر رمضان المبارك تحت قيود صحية وضوابط إلزامية ، خشية انتشار وباء كورونا، وفي التاريخ هناك الكثير من الأوبئة التي عرفها المسلمون منها  الطاعون والكوليرا  والجدري، والجذام، والملاريا وغيرها. 

وكان الطاعون الأشد وطأة بينها، لأنه انتشر على نوبات متكررة عبر عدة قرون، وأودى بحياة كثر، من مصر إلى الشام والعراق والحجاز. 

 و المؤرخين يعرفون كيف أثّرت الأوبئة على الشعائر الدينية والصلوات  عموماً، 

 لذلك فإنّهم يفترضون أنّ الوباء كان يجعل كلّ جوانب الحياة أصعب بالنسبة للمرضى ولمن كانوا يعتنون بهم، .

ونقلت وكالة بي بي سي تقول لنا المؤرخة نكهت فارليك، أستاذة التاريخ في جامعتي روتجرز وساوث كارولاينا الأميركيتين ، المسلمون عبر التاريخ.

هناك أحداث عدّة يمكننا العودة إليها، للحديث عن أوبئة وقعت خلال رمضان تاريخياً. 

•الطاعون الأسود، في منتصف القرن الرابع عشر، كان من أكثر الأوبئة فتكاً بالبشرية. 

وتشير السجلات التاريخية، إلى أنّه كان قاسياً جداً في رمضان الذي حلّ بين شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من عام 1348 للميلاد. وطال الوباء بشكل خاص سوريا ومصر، وتوفي مئات الآلاف. في ذلك العام، مرّ الرحالة الشهير ابن بطوطة في الشام، ودوّن رؤيته لشعائر الصوم والمواكب الدينية التي كانت تهدف لدرء الطاعون. 

•طاعون 1420 الذي طال عدّة بلدان إسلامية، واستمرّ بشكل متقطّع لأكثر من عشر سنوات، فاتكاً بالآلاف. في عام 1422، اشتدّ الوباء كثيراً في مكة، ما جعل الصلاة في الجوامع مستحيلة. وشهد ذلك العام فرض قيود على شعائر النساء الدينية خلال رمضان (صادف حلوله خلال شهر سبتمبر/ أيلول)، ومنعن في القاهرة من زيارة المقابر. 

•في العشريات الأخيرة من القرن السادس عشر، تأثرت الشعائر الدينية في الإمبراطورية العثمانية بالأوبئة بشكل ملحوظ. وتشير نكهت فارليك إلى كتابات المستكشف العثماني أوليا جلبي، حيث يرد ذكر لصوم شهر رمضان خلال تفشي الطاعون عام 1567، في عهد السلطان سليم الثاني. وقتل الوباء 3 آلاف شخص في اليوم الواحد، ما أثار قلق السلطان، وطلب رفع الصلوات في مسجد آيا صوفيا، في ليلة القدر. وجال المنادون في الشوارع لثلاثة أيام، لدعوة الناس للصلاة الجماعية، فاستجاب عدد ضخم. 

 

•في شهر رمضان عام 1579، حلّ وباء الطاعون في مناطق مختلفة من البلدان الإسلامية، ما أدى إلى تأجيل مواكب الحج الخارجة من مصر، وحركة التجار في البصرة. في ذلك العام، يفيد المؤرخون أن الوباء كان قاسياً لدرجة جعل جباية الضرائب مستحيلة، لأن عدد الوفيات كان ضخماً جداً. 

•في سنة ألف للهجرة، صادف رمضان في الصيف، وكان عام 1592 للميلاد. ضرب الطاعون إسطنبول مرة جديدة، واستمرّ لأشهر، فأمر السلطان حينها بالصلوات الجماعية وبتنظيم المواكب وذبح الأضحية وتوزيعها على المحتاجين، وأفرج عن السجناء. 

•في رمضان عام 1780، اشتدّ الطاعون في مكّة والمدينة، ويعتقد أنّه قتل نحو 12 ألف شخص. 

•بين عامي 1811 و1812 شهدت إسطنبول انتشاراً لوباء الطاعون، وتواصل خلال شهر رمضان، وبقي أهالي المدينة في بيوتهم، وامتنعوا عن الخروج إلا للضرورة. 

•في أواخر القرن التاسع عشر، هدّدت الكوليرا طرق الحج الإسلامي، خاصة بعد افتتاح قناة السويس، وسهولة انتشار الأمراض عبر البواخر والسكك الحديدية. وأجبر الحجاج على البقاء في الحجر الصحي 15 يوماً في السويس أو البحر الأحمر، قبل التوجه إلى الحجاز. لكن شروط الحجر الصحية كانت سيئة جداً، وكانت الأماكن المخصصة للعزل مكتظة بالآلاف. 

تأريخ الأوبئة 

تعمل نكهت فارليك مع فريق من الباحثين على تطوير الأرشيف الرقمي للطاعون الأسود، لتوثيق حقب الأوبئة عبر التاريخ. وتقول إنّ مصادرهم لتدقيق تاريخ الأوبئة تتنوع، ولا تقتصر فقط على كتب المؤرخين، بل تطال كل أنواع الوثائق من رسائل، والتماسات رسمية، وسجلات محاكم، وكتب ألفها علماء الحقبة التي يدرسونها.

كلها مصادر تعطيهم عبر مقاطعتها فكرة عن عدد الوفيات خلال الأوبئة، وكيف تأثرت بها المجتمعات. 

وإلى جانب محاولة فهم تأثير الأوبئة تاريخياً على الشعائر الدينية والعادات الاجتماعية، تهتم الأستاذة الجامعية بدراسة إرث الأطباء المسلمين وعملهم للوقاية من الطاعون أو البحث عن علاج له. 

  

وتقول فاريك إنّ الأطباء نصحوا الناس عبر العصور برشّ الخلّ في البيوت، إلى جانب تطهير الهواء بالدخان. 

كما نصحوا الناس بالتقليل من الأنشطة الجسدية، والذهنية، والعاطفية، مثل الحركة المكثفة.


كما أنّهم لم يشجعوا على الاستحمام خلال الوباء، وطلبوا من الناس ألا ينغمسوا بالقلق، والخوف، ويستبدلوهما بأفكار إيجابية، لأنّها تساعد الجسم على مقاومة المرض. 

بالنسبة للعلاج، شاع إخراج الدم الفاسد من الجسم، واستعمال المسهلات، ولف الغدد الملتهبة بقطع القماش، أو وضع مراهم عليها لتخفيف الألم والتورّم. بحسب نكهت فارليك، نصح الأطباء بتناول الفاكهة الحامضة، والعصائر، مثل الرمان الحامض، وعصير الليمون. وكانت الأدوية تحتوي على أعشاب، ومعادن، ومواد حيوانية، وعدد من الترياقات. 

الصوم لدرء المرض 

تلفت نكهت فارليك إلى أنّ الطب لم يكن المرجع الوحيد في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، لمواجهة الأوبئة. فقد كان الناس ينظمون الصلوات الجماعية، إلى جانب الصوم، والمواكب، وتلاوة القرآن، وتقديم الأضحية، والصدقة، وإطعام الفقراء، والعفو عن السجناء. 

تقتبس عن المؤرخ التركي طاشكبري زاده ذكره للصلوات في ليلة القدر، والإيمان بالقدرة الشفائية للقرآن، ولتلاوة "أسماء الله الحسنى" وصلوات أخرى. وكانوا ينصحون بكتابة الآيات على قطعة ورق، وتذويب الحبر في الماء، ومنحه للمريض كي يشرب. 

بحسب فارليك، فإنّ الأوبئة المتلاحقة، تركت أثراً في بناء المجتمعات في البلدان التي عصفت بها، وخلفت نوعاً من الخبرة لدى الناس، انعكست لاحقاً في النظم الصحية، والبنى التحتية والصرف الصحي. 

وترى فارليك أنّ إرث الأوبئة في البلدان الإسلامية، لا يزال حاضراً إلى اليوم، مع ما خلفه من نظم تفكير في أوروبا الحديثة المبكرة (فترة من التاريخ الأوروبي امتدت من نهاية القرون الوسطى وحتى بداية الثورة الصناعية). 

وتقول: "تخيّل الأوروبيون في تلك الحقبة 'الشرق' والأجساد الشرقية، كمكان للمرض. في كتاباتهم، يصوّر كتاب تلك الحقبة المسلمين كناس متسخين، جهلة، ينقلون الأمراض. تخيلوا أن الطاعون ينشأ في مدن شرقية غريبة، ثم يتفشى في المدن الأوروبية. تلك السرديات، التي أسميها الوبائيات الاستشراقية، سمحت للأوروبيين بتوجيه أصابع الاتهام الى الشرق. وفي الواقع، لا يزال استخدام مزاج الشرق المريض، شائعاً، ولا زال يستخدم بشكل متكرر إلى يومنا هذا"

للمرّة الأولى في التاريخ الحديث، تخلو ساحة الحرم المكّي في السعودية بالكامل من المصلّين، تعلّق العمرة إلى أجل غير مسمّى، وتطلب السعودية من الراغبين بالحج تأجيل حجوزاتهم لموسم الحج المقبل في الوقت الراهن.

كما توقّفت الزيارات إلى العتبات المقدسة في العراق وإيران، ولم يبدأ الخبراء بعد بإحصاء الخسائر التي مني بها قطاع السياحة الدينية.


المصدرأخبار بي بي سي/ التاريخ الإسلامي.

إرسال تعليق

0 تعليقات