كسرة خبز

مشاهدات


 

شيماء عقيل
 
صديقتي محامية مجتهدة تتصارع في ارجاء وقاعات المحكمة لإثبات وجودها والتفوق على زملائها الذكور وفي كل مرة اجدها تخوض حرباً ضد النضرة السطحية التي تتلقاها من صغار العقول ومحدودي الأفق فكلما حاضرت  احد خصومها  بحججها القانونية ومعرفتها الفقهية لا يجد أمامه سوى استخدام اية قرآنية أسيء تفسيرها " الرجال قوامون على النساء " وبان النساء ناقصات عقل ودين.
فما يزيدها ذلك الا إصراراً وعناداً على اثبات وجودها ، كانت تقص لي الكثير من الحكايات عن القضايا الشائكة والمواضيع العجيبة التي تسمعها كل يوم في اروقة المحكمة.
ولكن اكثر القضايا حزناً ومأساوية اغلبها قضايا طلاق ، استغربت من كلامها فقالت لي ان لديها قضية مهمة يوم غد وستروس لي التفاصيل عند اكتمالها.
دفعني الفضول للتوجه للمحكمة لأرى ما هي تلك القضية التي تشغل بال صديقتي المحامية المتمرسة ، وبهدوء جلست أراقب من بعيد دون ان تدرك صديقتي بوجودي ، وجدتها تقف مع عائلة مكونة من رجل مسن وامراة في الخمسين من عمرها وبرفقتهم شابة نحيلة مطأطأة الراس عيناها مليئة بلدموع ووجهها شاحب وتمسك بيدها طفل صغير ربما بعمر السنتين يبكي مع بكاءها وفي الجهة المقابلة منهم  يوجد رجل مسن وامراة ضخمة وشاب يرتدي ملابس رثة وحذاء ممزق وبشعر اشعث يبدو على ملامحه الغضب وتتعالى صرخاته بين الحين والآخر .
استجمعت بعض خيوط القصة كي افهم القضية  بوضوح فاكتشفت ان الفتاة من أسرة فقيرة جداً يسكنون بالإيجار في منطقة شعبية وبسبب ضروفهم الصعبة اجبرت على ترك الدراسة و الزواج وهي في سن الرابعة عشر  تحت ذريعة ( الستر) ، وهنا الكارثة فقد تم تزويجها بهذا الشاب وهو أيضاً لم يتجاوز سنه الثامنة عشر بداعي ان الزواج ربما يصلح حاله ويعقله كونه مدمن على المخدرات ومتهم بعدة سرقات وهو واهله يسكنون في منازل التجاوز وهو لا يعمل بل يعتمد على عمليات النصب والسرقات التي يقوم بها من حين لآخر كي يجد مالاً يصرفه على المخدرات وبيوت الدعارة التي اعتاد ارتيادها.
والأدهى والأمر ان أهله يقفون معه في كل افعاله ويلقون باللوم على المسكينة قليلة الحيلة آلتي اعتادت على الضرب والإهانة والجوع والحرمان منذ اول أيام زواجها بهذا الوحش وكم حاولت ان تجد العون لدى ذويها دون فائدة فخوفهم من تصرفات زوجها جعلهم يقفون موقف المتفرج ولكن عندما وصلت فداحة الامر الى ان يضرب ويؤذي طفلاً صغيراً لا ذنب له لم تحتمل هذا وهربت من المنزل ومعها طفلها وطلبت من صديقتي المحامية ان تساعدها في تحريرها وبعد ان اطلعت على القضية أخبرت الفتاة بانها ستدافع عنها دون أتعاب لان القضية إنسانية بحته.
وبالرغم من التهديد والوعيد وابشع الألفاظ التي سمعتها صديقتي لأكثر من مرة من زوج الفتاة الا ان ذلك لم يزدها الا إصراراً وعناداً وكأن الامر ثأر لكل امرأة اقتيدت كالسبية الى المجهول.
حاول الزوج بشتى الطرق والأساليب الرخيصة ان يثبت بان الفتاة سيئة السمعة وحتى انه قام باستئجار شهود زور ليشهدو بذلك  كي يتخلص من النفقة ويأخذ حضانة الطفل ليكسر قلب الام المسكينة.
وقبل النطق بالحكم وقفت المحامية لتوجه الكلام لأهل الفتاة : اليس لديكم كسرة خبز لإطعام ابنتكم بدلاً من رميها الى التهلكة بين يدي مجرم لا يخاف الله ، اما كان الأجدر بكم ان تتركو الفتاه تكمل دراستها وتبني مستقبلها وتجد من هو جدير بها ، كل دمعة نزلت من عين هذا الطفل وامه هي نار ستحرقكم يوم القيامة ولن يضيع الحق مهما طال الزمن .
حكمت المحكمة بحضانة الام لطفلها ودفع النفقة كاملة .
هذه واحدة من آلاف الحكايات التي تنتشر كالوباء في مجتمع ينظر الى الامور بمنتهى السطحية ، فالزواج استقرار هذا شيء اكيد لكن يجب ان تتوفر فيه كافة العناصر والمقومات والشروط والتي من أهمها النضج والقدرة المالية والاتزان والتوافق النفسي والعقلي والاجتماعي.

























إرسال تعليق

0 تعليقات