مؤتمر بغداد تسويق لماكرون واللهيان والكاظمي

مشاهدات




د. ماجد السامرائي


بغض النظر عن الجانب الشكلي في اسم اجتماع بغداد، الذي لم يخرج للعلن إلا قبل ساعات من انعقاده تحت عنوان “التعاون والشراكة”، إلا أنه من المعروف في عالم العلاقات السياسية أن هناك تجمّعات عربية كالقمة والخليج العربي وأخرى إقليمية إسلامية كمنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة والعشرات من المنظمات الأخرى وظيفتها بحث سبل التعاون والعلاقات الدولية والمشكلات الساخنة وطويلة الأمد لعلّ أهمها قضايا الحدود والمياه وغيرها.

لم يحصل أن دولة أو نظاما سياسيا كالعراق، الذي يعاني من أزمات داخلية تتعلق ببنيته وعلاقته بهموم الشعب بسبب سيطرة إمبراطورية الفساد والميليشيات، يسعى لجمع دول مجاورة ودولة كبرى تحتفظ بعلاقات إيجابية مع العهد الحالي للاجتماع، ويحتار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في وضع عنوان مطابق لهدفه المقصود في الحصول على دعم سياسي عربي وإقليمي. سبق أن عقد مؤتمران لدول الجوار العراقي، الأول في شرم الشيخ في عهد حكومة إياد علاوي وإسطنبول والكويت عام 2017، وآخر للمانحين عام 2018، الذي كانت حصيلة ما جمعه من أموال متواضعة، وكانت السعودية والإمارات والكويت في مقدمة المانحين، بينما لم تقدم إيران سوى الكلام وتسويق نفسها والإدعاء بأن لها الفضل في تحرير العراق من داعش.

بغض النظر عن العموميات الإيجابية لاجتماع بغداد الأخير، على مستوى دول الأشقاء العرب، التي أكدت عروبة العراق رغم وجود إقليم كردستان داخله. ولم تتردد بلدان الخليج العربي في الاستجابة للدعوة والحضور في مستوى التمثيل الذي قدّرته مناسبا، رغم عدم دعوة كل من البحرين وعمان، فيما تمت دعوة كل من الإمارات ومصر وهما ليستا مجاورتين. العواصم العربية المدعوة لديها تقاليد راسخة في العلاقات، واستجابت حرصا منها على أهمية عودة العراق إلى عمقه العربي. لكنها لم تتفاعل مع الخيال الذي أشاعه الكاظمي بأن حكومته قادرة على بحث وحل مشاكل الخصمين العربي والإيراني، في هذا الاجتماع رغم تراجعه في الساعات الأخيرة وإعلانه أن الاجتماع لا يبحث في المشكلات بل هو من أجل دعم العراق.

قصة الخلاف السعودي الإيراني التي روّج الكاظمي إلى أنه يسعى لتسويتها ليست مشكلات ثنائية حدودية، أو ما شابه ذلك، ويمكن حلها بالتفاوض أو الوساطات، إنها مشكلة بنيوية عربية مع نظام يحمل أيديولوجية ثيوقراطية ومشروع سياسيا توسعيا بقيادة ولي الفقيه برئاسة خامنئي مدمِّر ومخرِّب البلدان العربية. وكان العراقيون أول المتضررين من سياساته واحتلاله ذي الطابع الميليشياوي لبلدهم، قبل أشقائهم العرب. طريق حل هذه الأزمة يتم فقط باستعدادات نظام طهران للتخلي عن مشروع تصدير الثورة والتخريب، والواقع يقول إن ذلك لن يتحقق.


طموحات فرنسية لملء الفراغ الأميركي


هذا الاجتماع في جانب منه مهرجان سياسي إعلامي لدعم حكومة الكاظمي في الظرف الخاص الذي يمرّ به. فهو طامح لعبور الانتخابات وإعادة تنصيبه مجددا، بعد ترتيبات داخلية أصبحت مكشوفة في عودة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر عن قراره مقاطعة الانتخابات، تحت مبررات تقديم القادة الشيعة تطمينات شكلية بما سمّي ميثاق الإصلاح ليأخذ مكانه في تسلسل أرشيف هذه القيادات من مواثيق ولوائح شرف في مواسم الانتخابات.

الجانب الأهم والعنصر المتوافق مع هدف الكاظمي هو دخول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط التحضير وتشجيع عقد قمة بغداد، رغم أن لا صلة موضوعية أو مكانية تربط فرنسا بمثل هذا الاجتماع الذي لم تحضره كل من الولايات المتحدة صاحبة الشأن الدولي الأول في الحالة العراقية، كما لم تحضره شريكتها بريطانيا.

التفسير الواقعي في هذا الجانب يتعلق بخلفيات دور فرنسا الحالي ومطبّاته الكثيرة في المنطقة العربية، في كل من ليبيا ولبنان، حيث سبق أن حاول رؤساؤها تمثيل دور الفاعل الاستراتيجي بعد نهاية عصر استعمارها الاستيطاني في كل من الجزائر والمغرب وتونس ولبنان. ومحاولة ترجمة سياسات دعم الحريات الثقافية والأقليات الدينية والقومية، مثال على ذلك دور دانيال زوجة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في دعم قادة حركة إقليم كردستان العراق ضد نظام صدام عام 1991.

الدول الكبرى تعتمد في علاقاتها مع منطقة الشرق الأوسط على مبدأ استثمار الفرص. كانت فرنسا شيراك ضد الحرب الأميركية على العراق، وقادت تحالفا روسيا ألمانيا ضد تلك الحرب، لكنها لم تعطّلها، مما كلفها ثمنا باهظا، بإبعادها عن المشروع الأميركي لإعادة الاعمار الذي مات تحت أقدام الاحتلال الأميركي. حتى حكومة الاحتلال العراقية غضبت حينها على فرنسا لأنها وقفت ضد الحرب.

في ما بعد، نجح الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في استعادة الود مع واشنطن بدعمه لسياساتها، وسعى الرئيس الحالي ماكرون المعروف بوسطيته لتحقيق مكاسب جيوسياسية في العراق رغم فشله الأخير في لبنان.

ويعتقد ماكرون أنه قادر على ملء الفراغ الاقتصادي بعد احتمالات الانسحاب العسكري الأميركي، رغم أن للولايات المتحدة مكانة اقتصادية مهمة في العراق تحاول الميليشيات المسلحة عرقلتها لصالح تفرد نفوذ طهران. ويعيد ماكرون التقليد الفرنسي في استمالة الأقليات العرقية والدينية، كان ذلك واضحا في جولته بمدينة الموصل، وفي اجتماعه في كنيسة الساعة لم يستطع أن يخفي الإحراج الذي تعرّض له حين سُئل من أحد رجال الدين المسيحيين عن سبب عدم معرفة الدول الكبرى باجتياح فلول داعش للموصل.

وعلى طريقة سياسة نظام طهران الماكرة والمشاكسة والمعرقلة لأي انفتاح عراقي على العرب والعالم، لم تترك طهران فرصة زيارة الرئيس الفرنسي للموصل تمر دون أن تذكّره، من خلال تصريح الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بأن الفضل في قدرته على المشي في الموصل المحررة يعود إلى إيران، في تعدٍّ رخيص ووقح على دور الدماء العراقية الزكية في تحريرها.

سبق ذلك التصرف البروتوكولي الميليشياوي المُحرِج لحكومة العراق، والمتمثل بتقدم وزير الخارجية حسن أمير عبداللهيان في وقفة الصورة التذكارية من صفوف وزراء الخارجية إلى صفوف الرؤساء، وتبع ذلك بكلمة غير لائقة لا في مناسبتها ولا موضوعها ولا مناخها، حيث عبّر بوقاحة عن هيمنة نظام إيران على مقدرات العراق، وإعلانه رفض إيران التدخل في شؤون العراق الداخلية، وفي تأبين القتيلين الجنرال قاسم سليماني وأبومهدي المهندس. فيما صحّح نطقه متعمدا رقم حجم التبادل التجاري بين بغداد وطهران، من 300 مليار دولار إلى 13 مليار دولار، والرقم المُصحّح هو مقدار ما تسرقه إيران من العراق.

لم يجرؤ الكاظمي على الرد، وهو لا يريد أصلا ذكر حقيقة الوضع السياسي والأمني الداخلي الخطير أمام الحاضرين، فقد يمنع ذلك فتح أبواب الاستثمار وتقديم الإعانات، كان بإمكانه لو أراد وتمكن ذكر جزء من محنة شعب العراق ليكسب تعاطف الأشقاء معه، مثل تراجع قوة الدولة وهيبتها أمام قوى الفساد والميليشيات والصورة المشرقة لثورة أكتوبر “تشرين”. فهو واثق أنه سيدفع ثمنا باهظا لو فعل ذلك وأثار غضب اللهيان.

لا نتجاوز الحقيقة لو قلنا إن مؤتمر بغداد كان مهرجانا لماكرون الفرنسي واللهيان الإيراني، وورقة مرور للكاظمي يعتقد أنه من خلالها سيسهل مشروع قبوله رئيسا بعد الانتخابات، رغم أن طهران تدرس الخيارات في حينها ما بين الاستجابة لمشروع الصدر في زعامة الحكومة أو ترشيحه للكاظمي، أو ستغامر في تقديم بديل ميليشياوي موالٍ بنسبة مئة في المئة لطهران.

شعب العراق وحده الخاسر وهو يتفرّج على فصول هزيلة من مسرحية تعمق إفقاره وتحرمه من حقه الإنساني في الماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والتعليم. يعلم هذا الشعب، صاحب أسطورة الألم والمعاناة، أنه لن ينقذه سوى صموده وتحويل إرادته في التغيير إلى برامج وطنية.

إرسال تعليق

0 تعليقات