الانتخابات العراقية.. موسم الخداع الأخير

مشاهدات



د. ماجد السامرائي


الأثمان التي يدفعها الشعب العراقي الصامد الصابر من الدماء والمال والأرض والممتلكات كانت ولا تزال غالية، إلا أن المحصلة تبلورت بميلاد ثورة شبابية في أكتوبر 2019 هدّمت أركان المعبد المزيّف.

ضاقت دوائر المخادعة.. الأوراق مكشوفة

في كل دورة انتخابية يدفع العراقيون ضريبة من دم شبابهم لصالح التنافس المحموم بين قوى الفساد والقتل التي تسعى إلى تجديد هيمنتها على السلطة. وأصبحت ثورة أكتوبر 2019 محاولة ثورية جريئة لتعطيل هذه الماكينة المزيفة للانتخابات حين طالبت بانتخابات مُبكرة، تكلف بالإشراف عليها حكومة مؤقتة ورئيس وزراء مستقل عن هيمنة الأحزاب لتكون قاعدة انطلاق للتغيير السياسي.

واقعيا ما حصل منذ أبريل 2020 حيث تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء وفق هذا الاستحقاق كان خدعة سياسية أتقنت تنفيذها الأحزاب باستشارة أولياء أمورها، وذلك بإيهام الرأي العام العراقي بالاستجابة إلى تلك المطالب عبر الانتخابات المبكرة وترتيب آلياتها في قانون الانتخابات الجديد وتشكيل مفوضية جديدة.

الانتخابات لم تعد مُبكرة، حيث تفصلها ستة شهور عن الموعد الدوري إن حصلت في أكتوبر المقبل، وسط ترجيحات بأن يتم تأجيلها وفق حسابات الربح والخسارة لمواقع النفوذ بين القوى الشيعية الكبيرة. وقانون الانتخاب لم يلب واقعيا مطالب الثوار حتى وإن اعتمد على الانتخاب الفردي والوحدات المتعددة، وأعضاء مفوضية الانتخابات حتى وإن كانوا من بين القضاة لكنهم موظفون لدى الأحزاب يأتمرون بتعليماتها.

الانتخابات مفردة من المُقدسات التي سادت في ساحة العمل السياسي في عراق ما بعد 2003، الذي أصبح أقرب إلى نشاط المافيا منه إلى الأحزاب السياسية. فقد كثرت المقدسات الخرافية حتى كأنها تستحضر تقديس عرب الجاهلية لأصنامهم فيأكلونها حين تجوع بطونهم.

الجيل العراقي الشاب الجديد، ما بين عمر العشرين إلى الثلاثين عاما، حين دخل الاحتلال الأميركي للعراق كانوا رُضّعا أو صبيانا، يقينا إنهم يكتشفون اليوم زيف لعبة التقديس في مفردات كثيرة ابتداء من لعبة الاستفتاء على وثيقة الدستور في 15 أكتوبر 2005، التي مُررت رغم مقاطعة أكثر من خمس محافظات عراقية، وأصبحت الانتخابات مرجعية النظام السياسي وأزلامه، لا يجرأ أحد على التحرش بوجودها رغم ما أفرزته من شخصيات هزيلة تفننت على دروب المخادعة والتزوير والكذب والسرقة.

وضعت مختلف التدابير من قبل الكهنة الكبار في واشنطن وطهران لضمان عدم التحرش بأركان هذا المعبد الخرافي الدخيل على عالم الديمقراطيات، مسموح مناقشة جزئيات اللوحات على جدرانه، ألوانها، حركاتها، دون التقرّب من أساسيات هذا المعبد الجاهلي. المتحرّشون الثوريون هم زنادقة جوكرية، عملاء سفارات يستحقون القتل أو التغييب، وحرق قيَمهم الحافلة بالنقاء وحب العراق.

أيام صعبة امتدت لأكثر من خمسة عشر عاما للصراع العميق ما بين معسكري شعب كبير لديه عمق تاريخي وبين مجاميع دخيلة غريبة على السياسة تحصّنت بالسلاح والمال والكذب والدجل للتسلط، قوتها مستمدة من الخارج الطامع.

الأثمان التي يدفعها هذا الشعب الصامد الصابر من الدماء والمال والأرض والممتلكات كانت ولا تزال غالية، لكن المحصلة تبلورت بميلاد ثورة شبابية في أكتوبر 2019 هدّمت أركان المعبد المُزيّف، وتبدّلت موازين القوة بين المتصارعين خارج أركانه وعلى ساحة مكشوفة، صدأت أسلحة معسكر الجهل والتخلف وعصابات المافيا خصوم المستقبل فيما دخلت أسلحة الشعب الجديدة الميدان.

تكسرّت أسلحة حماية المذهب والمظلومية التي اكتسحوا بها انتخابات 2006 و2010 حين تخفوا وراء صور مرجعهم في النجف، السيستاني، لخداع أبناء الشيعة في محافظات الوسط والجنوب. ثم احترقت شعارات الدعوة للقضاء على أبناء يزيد التي بعثت واستكملت خرافة بوش في القضاء على يأجوج ومأجوج عندما اكتسح جنوده العراق عام 2003. فتم استحداث أسلحة من طين عناوينها حواضن داعش، لكنها انهارت لأن الأيادي الماسكة فيها مرتعشة والعقول التي تديرها مليئة بالحقد والكراهية والتخلف.

المفاجأة الأكبر التي نزعت كلّ الأسلحة المتكسرّة من معسكر خصوم الشعب ونزعت عنهم كل أقنعتهم الورقية وتركتهم بلا أرض يقفون عليها، مع اعتذارنا عن التقسيم الطائفي الذي لا نؤمن به، هي أن معسكر الشعب الثائر هو من داخل الساحة “الشيعية” ليس من صلاح الدين أو الأنبار أو الموصل أو ديالى أو كركوك، إنه من كربلاء والجزء الشيعي من بغداد والناصرية والجزء الشيعي من البصرة.

ضاقت دوائر المخادعة، لم تعد هناك حيلة إلا استخدام الأوراق المكشوفة في آخر شوط من المنازلة، ورفع المأجورون في الشوارع صور القائد والموجه علي خامنئي بدلا عن السيستاني.

كان من الطبيعي أن يتم تمزيقها من قبل الثوار وأن تحاصر وتُحرق أسوار القنصلية الإيرانية في كربلاء والبصرة.

تدخل أدوات القتل التابعة للميليشيات الولائية بشكل مكشوف، تعلن عن جاهزيتها للمواجهة مع معسكر الشعب، وتطلق شعارات التخويف والرعب بتنفيذ قوائمها المُعدة في قتل رموز الثورة في كربلاء والبصرة والناصرية وبغداد، وسط عجز الكاظمي عن مواجهتها بجدّية.

على المشهد السياسي يتم اضطرارا الكشف عن أطراف كانت مخفية في الصراع إلى جانب القوى الشيعية الفاسدة والموالية لطهران، تتمثل بتخندق بعض الزعامات السنية المرتزقة في معسكر إيران داخل العراق، وهذا مكسب جديد للشعب، عَرَضي لكنه مهمّ في تأكيد طبيعة الصراع ما بين قوى التغيير الوطني والخصوم الغرباء والمرتزقة. وفضح لعبة توازنات المحاصصة الطائفية التي وصلت إلى مأزقها الأخير.

تريد القوى المهزومة والمنهارة التعلق بقشة في عواصف البحر الهائج باستغلال ورقة المقّدس الخرافي، الانتخابات، لتنقذ نفسها من هول النهاية الدراماتيكية وتسحب معها جميع المرتزقة والمستفيدين من هذه اللعبة وتغرق الساحة بتفصيلاتها ما بين التأجيل أو الإلغاء، تعتقد أنها تُحرف من خلالها مسار المعركة بينها وبين الشعب الثائر إلى حافات قد تكون ذات مظاهر وصدامات خطيرة، مع أن معسكر المقاطعة يزداد شعبيا وسياسيا.

تحاول بعض الزعامات الشيعية إشغال الوسط الشعبي العام بتوجيه رسائل تأبين مُبكرة لمصير تلك الزعامات وانتخاباتها وإطلاق أوهام لم تعد خافية بأن هناك حدودا رقمية لإعلان إسقاط الانتخابات المقبلة إن لم تصل إلى نسبة 40 في المئة وكأن هناك رقابة نزيهة عالية المستوى لمعرفة أعداد المصوتين في صناديق الاقتراع علما وأن انتخابات 2018 لم تصل نسبة المصوتين فيها 20 في المئة.

الانتقال السلمي للسلطة خديعة قادها حزب الدعوة بحصره السلطة بيده طيلة 12 عاما، ورغم فشله التاريخي يعاود الحلم بتمديد زمن هذا الفشل.

قد يشترك الكثيرون في الحرص على بقاء خرافة الانتخابات واستمرارها تحت ذريعة أن لا بديل عنها لبقاء النظام والعملية السياسية، مع النتائج الكارثية التي خلفها هذا النظام على شعب العراق.

ثورة الشباب لم تدع إلى عمل صدامي عسكري بل إلى خطوات متواصلة من خارج الانتخابات طرقها السياسية السلمية واضحة ومعروفة بانتزاع ثوري للشرعية المزعومة.

كاتب عراقي


إرسال تعليق

0 تعليقات