المفتاحَ الآمن لمغاليق النفس عند الشاعر اسماعيل حقي 

مشاهدات



الناقد عبدالباري المالكي 


يُعَدُّ الشاعر اسماعيل حقي واحدا من اولئك القلائل الذين رفدوا الحركة الادبية بشكل عام، والشعرية بشكل خاص، وممن اوجدوا ربط الادوات الرمزية الفنية بعالم الواقع ، ولعل ذلك من نافلة القول حين نرى ذلك التوزيعَ التناسقي لقيم متباينة في شخصياته المتقدة التي اجاد اختيارها بحرفةِ محترفٍ وصنعةِ استاذٍ في قصيدته غبار الحرب ، وهي شخصيات تكاد لاتبين - عند الوهلة الاولى- سوى انها شخصيات استهلالية باعثة للحزن والالم دون ان نعيَ تماماً انها شخصيات ذات حياة لأوداج نابضة آثرَها شاعرُنا دون غيرها ، واظْفرَها بعناية ماجعلها ترجماناً ليس مختزلاً لشخصية استاذنا المعلم ، بقدر ماكانت ترجماناً للعالم الواقعي بأسره ، مبنياً على حقيقة مستَتَرة لما وراء ظواهرَ طبيعيةٍ فنيةٍ اصبحت فيما بعد المفتاحَ الآمن لمغاليق النفس ، متخطياً بذلك مرحلة التوجيه الى مرحلة يجعل فيها استاذنا المعلم من نفسه شريكاً يلوذ بالواقع ويلوذ به ... 

( الأنا ، الوحشة، الهجير ،الارض، الغبار،الأماني، الأمس، الخوف،الريح، الاخضرار،الانجراد، السفر ،الجوع ،العطش ،الحرمان،الإيلاد،الفراتان، الخمر ،العسل،الرفد،الظلال،النخيل ، الاتكاء ،الوجع ...الخ) ممالايمكن حصره في هذه العجالة التي لاتناسب مقام استاذنا المعلم ،الذي جعل من قصيدته سرداً توجه بجزئياته مستدلا على الكليات في مضمون عنوانه (غبار الحرب )، ذلك السرد المشحون بالعبارات التي اتسمت بالحركة الفطرية ، وبالإدانة للواقع السياسي والاجتماعي آنذاك .... 

من حر وحشتي الصماء اتقدُ 

انا الهجير لماذا الارض تبتردُ  

واستاذنا الشاعر اذْ يقوم بالتركيز على موضوعة الانتقاد للوعي الفكري المتخلف فهو يتعرض الى جذور ذلك الواقع ومايخلّفه من آثار مأساوية دون ان يكون للقنوط أثر بالغ في نفسيته ، فيستوعب الاحداث الحية بشكل فني إحاطيّ كبير ، يشير من خلاله الى حق مهضوم ، وزفرةٍ مصدرها الخوف (اطمْئنُ فيّ الخوفَ) وهو يواجهها بوقفات متأنية متتابعة تمثلت في مزج لون الريح في رئته الصغيرة ، او ربما يبتسم له الحظ في لحظة يأس فيرتديها اخضرارا حين ينجرد ، حتى يخلص من خلالها الى ذلك الفراغ الموحش من سفرٍ ، والحرمان الذي أحال فراتيه اللذين هما من خمر وعسل الى أوامٍ وعطش شديدين ، وأحال تلك الظلال من النخيل السامقة الى وحشة صماء ، معايناً معاناة اهله ، ومحاولًا تعويضهم بما يستطيع من متعة الحياة ، فينثّ الندى فوق راكبي محطاته ويرفدهم بما يستنفد كل قواه الكامنة داخل قلب حائر ، ذاك الذي جعل المعنويات تقوم مقام الماديات بعملية استبدال بين طاقته الانسانية المحدودة بالواقع ، وبين طاقة اخرى لاتقنع الا بماوراء الحقائق والاوهام .... 

ولي محطات ركب الظامئين ندىً  

انثّها فوقهم ورداً اذا رفدوا 

ولنا ان نعيَ جيداً تلك الجمرات المتأججة والصيحات الساخطة في هذين البيتين ... 

هناك عند ضفاف الغيم تمضغهم 

رحى المنافي فلا عادوا ولاابتعدوا  

هناك كانت جرار العتم تسكبهم 

على كؤوس،القوافي حينما انفردوا 

فيجعل من نفسه صدى معبرا عن امال الجماهير وهو يتطلع الى مايحلم به ويتمناه من خلال جراح لاضمادةَ لها الا شاعرنا... 

فكيف لي ان اطوي حمل راحلتي 

وماترجلتُ عنها اذ هم قعدوا  

وكيف اقصي لهاث الصبر عن رئةٍ 

معطوبة لم تزل للآن تحتشدُ 

حتى ان شاعرنا لم يكتفِ بالتسجيل او الاشارة بل تعداها الى البحث عن عناصر تحقيق الاحلام ، وذلك من خلال محاولاته المتكررة لسبر اغوار الحقيقة التي ازاحت الستار عن شعور ذاتي اتسم بالوحدة والغربة والحرمان ، فانبعثت من ابياته اللوعة ، وتدفقت من ثنياها الأسى ، وانطلقت من بين زفراته مواكب الاحزان ... 

ولاغرابةَ حين يصدق مثل هذا الشعور لأنه ثمرة حسّ مرهف غمر بظلاله القاتمة كل مشاعره العاطفة حتى حصرها شاعرنا بابيات اختزلت واقعه الذي لم يكن مشغولا عنه بعالمه الادبي ... 

من هنا تتبين الاسباب الحقيقية التي جعلت شاعرَنا ترجماناً للجماهير فتجاوزَ قصدَ المعنى الى الرمز والايحاء لحاضرٍ مبلّلٍ بالدموع ، وماضٍ مجلّلٍ بالسواد ، ومستقبل معلّلٍ بالأسقام ، ماجعلَنا مبهورين جدا بمقدرة شاعرنا حيث المقابلة بين لون ولون ، وبين معنى ومعنى ، باستشفاف دقيق للحقائق والرؤى المتصارعة في ميدان قصيدته التي فتحت منافذ تدفقت منها الاضواء الى كل زوايا عتمته (بأنهم رغم هذا العتم ماانطفأوا)،محلقا بصداه وخبرته العميقة في فن الحياة ... 

انا الهجير لماذا الارض تبتردُ  

انا اصطفاف غبار الراحلين الى  

تيه الاماني وان ضلوا وان وجدوا 

وخلاصة الامر ...ان شاعرنا يستقبل يومه وفي عينيه اتقاد دمعة محرقة ، ويرى في جوهر شخصيته انه لم يُخلَق الا للدموع رغم محاولاته المستمرة للتحرر من القيد والانطلاق نحو الهدف المنشود الذي نذر نفسه لاجله. 

قصيدة ...غبارُ الحرب ... 

.............. 

مِنْ حرِّ وحشتيَّ الصَّماءُ أُتـَّقَدُ  

أنا الهجيرُ لماذا الأرضُ تُبْتَردُ  

أنا اصْطفافُ غبارِ الرّاحلينَ إلى 

تَيهِ الأماني وإنْ ضَلّوا وإنْ وَجدوا 

مُلَبَّدا جئتُ مِنْ أمسي أطاردُني  

عــلّي أطــمئنُ فيَّ الخـــــــوفَ أو أعِــدُ  

علي أمازجُ لونَ الرِّيحِ في رئتي 

أو أرتديها اخضراراً حين أنجَرِدُ  

كيما أسافرَ في جوعي وفي عطشي 

ولي صغارٌ مِنَ الحِرمانِ قد وِلِدوا 

ولي فراتان ِ مِنْ خمرٍ ومِنْ عسل  

ٍ وما رُويتُ وهم روّوا وهمْ وَرَدُوا  

ولي ظلالُ نخيلي يتّكي وجعي 

على نديِّ أمانيهِا ويتَّسِدُ  

ولي محطاتُ ركبِ الظامئين َندىً  

أنثّهُا فوقهم ورداً إذا رَفَدوا 

أولاءِ أهلي غبارُالحربِ ظلُّهمُ 

سربُ اليتامى وراهم أينما وفدوا 

يمشي التُّرابُ على آثارِهِم وَجَلاً ً 

كي يقتفيهم .. هنا مرّوا ، هنا سجدوا 

هناكَ عندَ ضِفافِ الغـيـم ِ تمضَغُهُم 

ْ رَحى المنافي فلا عادوا ولا ابتعدوا 

هناكَ..كانت جرارُ العتــم ِ تسكُبُهُم 

على كؤوس القوافي حينما انفردوا 

بأنّهم رغمَ هذا العتم ِ ماانطفأوا

وأنّهم رغمَ عمق الصّمتِ ماوِئِدوا 

ظلَّتْ على سعفات ِ النَّخل ِ لامعة ً 

أعلامُهُمْ ، لِغدِ الآتينَ إنْ رَفَدوا 

فكيف لي أن أطوَي حمل راحلتي 

وماترجـَلتُ عنها إذْ همو قعدوا 

وكيــــــف أقـصــي لـُهــاثَ الصبر عــن رئـــــــــةٍ 

معــطــوبــة لم تــــزل للآن تحــتشـــدُ َ

إرسال تعليق

0 تعليقات