دكتاتوريةُ البطيخ

مشاهدات


 

علي الجنابي

بعيداً عن إعلامِ أمّتي المَحْشُوِّ بمراسيمِ تتويج ملكِ "قصرِ باكنغهام" بِتَفخيخ، رأيتُ حاجبي يَقطبُ فيكتبُ عنِ الثّومِ، وعن إستبداديةِ ثمرةِ البطيخ!
وإذ يَنبَهِرُ النَاظرونَ، إذ يروْنيَ ألتقمُ زيتوناً حنظلاً، أو ألتهمُ فُلفلاً حارَّاً، وكأنّيَ ألتهمُ ضريعاً، أو كأسَ زرنيخ! ويحسبوني في ذلكَ أسداً هَصوراً، أو زعيماً حَصوراً، أو لكأنِّي عندهمُ أوّلُ مَن هبطَ على كوكبِ المرّيخ! وفاتَهم أنّي -أبداً- لا أستشعرُ مرارةَ زيتونةٍ، ولا حرارةَ فُلَيفُلةٍ، ولو شَعرتُ لما إلتقمتُ، ولو ملّكوني دجاجاتِ من ذهبٍ بتفريخ، وإنّما هي فطرةٌ وجِبِلَّةٌ، بأنّ فؤادي يرفضُ حبّاتِ (الثومِ)، وينبضُ بحُبِّ زيتونٍ وفُلفلٍ وبطيخ، فطرةٌ وجِبِلَّةٌ كما نمَت جِبِلَّةُ الكرةِ ل(مارادونا) بلا حَولٍ منهُ على مداعبةٍ لبالونةٍ بنفيخ، وكما سَمَت جِبِلَّةُ الشّعرِ للنابغةِ الذبيانيٍّ على حين غفلةٍ، بلا حَولٍ منهُ على شيبةٍ وتَشييخ. ولو علِموا أن حاليَ ورائحةِ الثّوم، كمثلِ حالِ مسلمٍ مؤمنٍ مستعيذٍ من الأعورِ الدجالِ (المسيخ). لَمَا منحوني وسامَ إلتهام فُلفلٍ حارٍ حسبوهُ زرنيخ! وما من داعٍ لإنبهارٍ، أو تمجيدِ الإلتهامِ في سجلاتِ غرائبِ التأريخ، فالفُلفُلُ والثّومُ والكرةُ والشعرُ، كلُّ أولئكَ جِبِلَّةٌ و(.. فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا..)، فطرةٌ وجِبِلَّةٌ، فلمَ هرولةٌ بإنبهارٍ وراءَ الفتى (ميسي)، وإرتعاشٍ من رؤيتهِ بغبطةٍ بصريخ!
ثمًّ أنّي قد أمرتُ - بغَطرسةٍ - صغيرتي أن تنهمَ شطراً من فاكهةٍ من بطيخ، وكانَ حالُ لسانِها في تذوِّقِ البطيخ، كلِسانِ حالي في تذوِّقِ الثّومِ الكريهِ الحارسٍ في بابِ الفسيخ. إمتثَلَتْ صغيرتي على مَضضٍ لعجرفةِ الأبوّةِ، ثمَّ لواذاً إنسَلَّت فتَسَلَّلت فتَسَمَّرَت في وصيدِ بابِ حجرةِ الطبيخ.
ثمَّ مِن حُجرتي وبُعَيد هُنيهاتٍ خرجتُ فعرجتُ، لأستسقيَ لبناً في برّادِ حُجرةِ الطبيخ، فإنبهرتُ فبهتُّ من صنيعِ صغيرتي في تحقيرِ حبةِ البطيخ، إذ صيَّرت الحبةَ (سُلَحْفاةً) ، كأقبحِ مخلوقٍ وجهُهُ مُذ يوم ولادتهِ جَعْدٌ، وما إنفكَّ يَشيخ. ولو أنّ فِطنتي فهمَت أنَّ مقتَها لحُبيباتٍ من بطيخ، هو جِبِلَّةٌ وخَلْقٌ فيها، وما مِن داعٍ لحرصٍ مني بعجرفةِ أبوَّةٍ، وبأوامرَ حمقاءَ لتربيةٍ بترسيخ، وما من داعٍ لهرولةٍ وراء فوائدِ تغذيةٍ مسطورةٍ في قراطيسِ أطباءِ التأريخ، لتبيَّنَت فِطنتي وفَقِهَت أنَّ...
 "العافيةَ ليس حكراً على البطيخِ"، فكمْ وكمْ من فقيرٍ مُتَعافٍّ، هلَّت عليهِ الأهلَّةُ فلا كبابَ ولا بطيخ، وستترعرعُ صغيرتي وستنمو في هناءٍ مُتعافيةً، وفي بهاءٍ متغافيةً، وعن داءٍ متجافيةً، رغمَ أنفي، ورغمَ أنفَ سطوةِ البطيخ، وحاشا لله أن يٌقَيِّدَ عافيتَهُ ب(دكتاتوريتي) و(دكتاتورية) البطيخ.
فلا تنبهرْ -ياذا عزِّ - من بدعةٍ مليحةٍ في مخلوقٍ لكيلا تُقدّسَها، ولا تنتهرْ من بدعةٍ قبيحةٍ في مخلوقٍ لكيلا تُكدِّسَها، كما كدَّسَت صغيرتي لبَّ البطيخِ في برّادِ حُجرةِ الطبيخ، ودعْ فكرَكَ على فطرتِهِ وعلى جِبِلَّتِهِ، حصيناً مرناً رصيناً، ولا تخدشْهُ بتجليخ.
فذلكَ هوَ لكَ خير.
 

إرسال تعليق

0 تعليقات