أ.د. عبدالله الغصاب
مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تدخل الكويت أجواءً استثنائية تمتزج فيها الروحانية بالحراك المجتمعي، وتتعانق فيها القيم الدينية مع المسؤولية الوطنية، إنه شهر إعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة الذات، وتعزيز معاني التكافل والانضباط، وهي قيم تنعكس بوضوح في الميدان التربوي والأكاديمي.
رمضان ليس انقطاعاً عن الطعام فحسب، بل هو تدريب عملي على الصبر وإدارة الوقت وضبط النفس، وهي ركائز أساسية في العملية التعليمية، فالأستاذ الذي يوازن بين رسالته العلمية وسموه الأخلاقي يقدم نموذجاً حياً لطلابه، والطالب الذي يحسن تنظيم يومه بين العبادة والتحصيل يكتسب مهارة الانضباط الذاتي التي ترافقه طوال حياته الأكاديمية والمهنية.
ويأتي رمضان هذا العام بقرار جريء من وزير التربية المهندس جلال الطبطبائي بتعطيل الدراسة في المدارس خلال العشرة الأواخر من رمضان قراراً يستحق التقدير الصريح، لا المجاملة، لأن المسألة هنا ليست إجازة، بل رسالة تربوية واضحة: أن المدرسة جزء من المجتمع، وليست معزولة عن وجدانه الديني والإنساني.
إن العشرة الأواخر ليست أياماً عادية في التقويم، هي ذروة الشهر، وفيها يتحرّى الناس ليلة القدر، وفيها يزداد الإقبال على العبادة والاعتكاف ومحاسبة النفس، ومن الطبيعي أن يمنح الطلبة مساحة يعيشون فيها هذه الأجواء دون ضغط اختبارات أو التزامات صباحية مرهقة.
كما أن التربية الحقيقية لا تختزل في كتاب ومقرر، بل هي بناء وعي، وصناعة ضمير، وتعزيز انتماء، وعندما تراعي المؤسسة التعليمية البعد الروحي لطلابها، فإنها تؤكد أنها تفهم الإنسان قبل أن تدير المنهج، ومن زاوية أخرى، فإن القرار يعكس حساً إدارياً ناضجاً، فالطالب الصائم، خصوصاً في المراحل الدراسية المبكرة، يحتاج إلى توازن بين متطلبات الجسد والروح، والإرهاق في هذه الأيام قد يفقد العملية التعليمية فعاليتها أصلاً، فبدل حضور ذهني مشتت، نحصل على فسحة تعبدية تعيد شحن الطاقة النفسية لما تبقى من العام الدراسي.
أما في الجامعات والكليات والمعاهد، فتبقى المسؤولية مشتركة بين الأستاذ والطالب، فشهر رمضان المبارك لا يعني التراجع الأكاديمي، بل إدارة مختلفة للإيقاع، يمكن تقليل الحشو، والتركيز على الجوهر، وتحويل النقاشات الصفية إلى مساحات أعمق تتناول القيم والمسؤولية والأمانة العلمية - وهي كلها معانٍ يرسخها الشهر الكريم بطبيعته.
وللطلبة أقول: رمضان فرصة لتنظيم الذات، جرب أن تضع جدولاً واقعياً، أن تختار أوقات تركيزك بعناية، أن تنام جيداً، وأن تمنح عبادتك حقها من دون أن تهمل دراستك. التوازن مهارة، وهذا الشهر أفضل تدريب عليها.
وبهذه المناسبة المباركة، نتقدم بخالص التهنئة إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه، وإلى سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد حفظه الله ورعاه، والقيادة السياسية، والأسرة التربوية والأكاديمية، والشعب الكويتي الكريم، سائلين الله أن يديم على الكويت أمنها واستقرارها، وأن يعيد رمضان عليها أعواماً عديدة بالخير والطمأنينة.
في النهاية، فإن المدرسة ليست مبنى فقط، إنها جزء من روح الوطن، وعندما تحترم هذه الروح، فإنها تؤدي رسالتها كما يجب.


0 تعليقات