هكذا كانت حياتنا بالأمس وهمومنا اليوم؟

مشاهدات

 





د. شاكر كريم

 
من المؤسف ان كثيرا من الناس لايعلمون الفرق  بين الأمس واليوم خاصة من هم  في الأربعين عاما  فما دون ، صحيح كان فقرنا اكبر، والجهل الذي يحيط بنا أعمق، لكن مع ذلك كانت أخلاقنا اقل سوءا مما هي عليه الآن، وكان سلوكنا ارقى بكثيرمن سلوكنا هذه الايام.كانت نفوسنا اعز علينا من بطوننا، وكانت ثقتنا بانفسنا تحول بيننا وبين هذا الهبوط والتردي والتشرذم، والكذب والنفاق الذي نراه ماثلا امام اعيننا.
لوعدنا للماضي والماضي القريب، ومن قاعدة الطمانينة لكان خير شاهد هي تلك الايام والليالي التي عشناها الخالية من القلق والهموم والصراعات الاقليمية من حولنا التي سلبت منا  لذيذ المنام.
منذ مجيئنا للحياة في الاربعينات من القرن الماضي ، وقبل ان نبدا التعليم في المدارس النظامية،  كانت الدراسة مقتصرة على تعليم القران الكريم واللغة العربية  ومبادئ الحساب عند (الملالي)، وكان يقام احتفال عند اتمام الطالب دراسة القران الكريم ” الختمة”.
نلبس الملابس البيض والعقال الابيض المطرز بالخيط الذهبي ، وامامنا مجموعة تحمل الصواني من الشموع والحلوى، يتقدمهم ابو الطبل ( الدمام) وعلى شكل مسيرة في الحي الذي نسكنه، اضافة الى ذبح” ديك “لكل منا وكذلك اولاد الحي المتخرجين، وفي حينها كنت انا واخي   ابا عمار من المتعلمين لدى الملا في الحي ،كون الملا من اصدقاء ابينا رحمه الله، وكانت الدراسة في بيتنا المتواضع من الطين. وكان الأولاد يتلقون تعليمهم عند الملا، بينما البنات عند الملاية لقاء مبلغ مالي قليل يستحق كل يوم خميس. وللملا مبلغ آخر متفق عليه عندما يختم الطالب القرآن. كما للملا العيدية و(الفطرة زكاة الفطر). وكان يستخدم أسلوب الضرب والتهديد والوعيد لترهيبنا. واتذكر أن أول ملا تعلمنا عنده هو ( المرحوم الملا نوري)، موظف في البلدية وكان يأتي الى دارنا بعد انتهاء دوامه بواسطة الدراجة الهوائية ، محبا للثياب البيض التي تفوح منها رائحة العود والبخور دائما ، مؤدبا الأطفال بعصاه الطويلة كنا نقرأ الرسائل (المكاتيب) لأهل الحي بطلاقة وليس مثلما يقرأ(حجي راضي)، يعطينا من نقرأ له المكتوب (الجكليت واصابع العروس او بطل نا مليت )
كنا نكتب بخط واضح وجميل، افضل بكثير من طلاب الجامعات في الوقت الحاضر، وعند بلوغنا السادسة من العمر انتقلنا للدراسة في المدارس النظامية، وكانت اول مدرسة لنا هي مدرسة المناهل الابتدائية المختلطة في الكرخ في الخمسينات ، وبدأ التعليم الجديد بمناهج اكثر موضوعية ،بواسطة المعلمين و المعلمات وكانت الدراسة مستمرة طوال العام دون انقطاع ،سوى خمسة عشر يوما خلال ايام الربيع، واخرى نهاية العام الدراسي، ليست مثل العطل في الوقت الحاضر، والتي تبلغ اكثر من 150 يوم عطلة في السنة ،تؤدي الى تدهور وارباك المسيرة التربوية، وكنا نذهب الى المدرسة بدوام مسائي اخر لمدة ساعتين يوميا بحيث تكون مجموع الدروس ستة دروس في اليوم ،المدارس اليوم تشكو الشواغر وكثرة اجازات الهيئات التعليمية وغيابات التلاميذ.
 كان الحرص كبيرا جدا من المعلم او المعلمة على التلاميذ وايصال المادة بيسر، متابعة نظافة التلميذ وغذائه من خلال وجبات غذائية توزع علينا صباح كل يوم في المدرسة ، حليب.. وبسكويت ..ودهن السمك، وتوزع علينا معونة الشتاء في كل عام ،عبارة عن جاكيت نيلي ،وبنطلون رصاصي، وقميص ابيض، وحذاء باتا ابيض للفقراء من امثالنا.
قبل دخولنا للمدرسة ، لم نكن نعرف القلق، همومنا محصورة في يومنا وعندما تشرق شمس يوم جديد تتلاشى عثرات هموم الأمس، لم نكن نعرف معنى الطائفية او العشائرية او المناطقية ،هذه الاسماء الدخيلة على مجتمعنا.
كانت سطوحنا متلاصقة بيوت من الطين، ننام مع اطفال جارنا واطفالهم ينامون عندنا ناكل من اكلهم ويأكلون من اكلنا، لانعرف غير المودة، والكلمة الطيبة التي ننادي بها الاكبر منا سنا، نهاب المعلم ونحترمه ونهرب بعيدا منه عندما نراه في الشارع العام او جالسا في المقهى، ولكن عندما اكتسى ثرى الأرض بخيراتها واصبح النفط نقمة، وتوسعت مدارك الإنسان ،وتقدم في علمه وعلومه في الاتصالات والمواصلات والانترنت وتوسع الجامعات والكليات، همز شيطان الإنس في ضمائر الحاقدين ،أن ازرعوا الفتن بين الضعفاء ليخلو لهم سواد الأرض من جمهرة الابرياء.
اثارة الفتن
 طرق اثارة الفتن تشعبت من بين فتحات الغفلة، وسقطت فيها قلوب غضة، امتلأت بنيران الحقد والكراهية ،بعد ان استجمعت قواها من وهن المبادئ ،معتقدة قدرتها على قلب موازين الكون ،تسير على خطى الغدر تنبش العفن، عفن الهموم من بين انقاض الحياة .
كنا في الخمسينات نتحدث عن الصدق والنظافة والايمان وحب الوطن، يتحدثون الان في مدارسهم، وفي ما بينهم عن الطائفية والعشائرية والحزبية ومشاهدات فديوية اباحية على الانترنت او المحطات الفضائية، يدخنون السكائر ويتغيبون عن المدرسة، يفتقرون للصدق والنظافة والتعلم، كسالى حاقدون البعض على البعض الاخر ،بحيث يصل حد الشجار والضرب بالأسلحة الجارحة التي يحملونها معهم الى المدرسة في حقائبهم، نتيجة ضعف ادارات الكثير من المدارس وكذلك ضعف  المراقبة العائلية .
لم تكن المشاهد فيما مضى توحي بتغيرات الحياة، لأننا تشبعنا بصفاء الأخوة ولم نكن نتوجس خيفة من وهج الحياة لامتلاكنا قلوباً مطمئنة، لكن صيحات البطش من حولنا، نشرت سواداً تسلل بعضه على موائد فكرنا .هموم تواترت علينا استوردناها من خارج، معتقدنا ومبادئنا قسمتنا الى فريقين ،تنازعنا قوة فرضت علينا راياتها مبطنة بالخبث، يحملها من استهوتهم مصطلحات طغت على مفاهيمهم، فأمنوا بها يرددونها في كل محفل ظانين  انها صالحه لكل زمان ومكان وانها قابله لحل مشاكلنا وهمومنا ،وقوة اخرى تدافع عن نفسها في  البقاء.
كان الساسة وكبار القوم يختلفون في الاراء والمواقف، ولكن بنزاهة وعلم وترفع، وكان اصحاب ابداعات الفن والادب والشعر والصحافة، يبدعون كل على طريقته واسلوبه، وكانت صراعات السياسة ولكن بوعي وانتماء ووطنية. وكانت سمعة الوطن وتاريخة وثوابته، خطوط حمراء لاتــــجاوز فيها ولا تشويه.
كان المجتمع العراقي محكوم بسلوكيات رائعة وناضجة، ابتداء بالخلافات في الاراء والمواقف ،وانتهاء بما يقال في وسائل الاعلام ، وكان الضمير يحكم كل شيئ، لانه يتجرد من كل نوازع المصالح والغايات. كانت المعارك تدور على صفحات الجرائد ،ولكنها معارك افكار وليست صراعات على صفقة او لحساب رجل اعمال او ابواقا للسلطة. وليست مثلما يحصل على صفحات التواصل الاجتماعي اليوم.
استجداء علني
 كان الناس يستجدون على استحياء ، فصاروا اليوم يستجدون علنا، كان هناك عيب ان يستجدي الاطفال، فصار الاطفال اليوم يزاحمون الشيوخ والمعوقين والمعوزين في مد ايديهم طلبا للمال.
كانت المساجد ليست بها فرق، وكان علماء الدين كل في مسجده وحول جماعته، لايكفر احدآ ولايشرك أحدآ، ولايسب احدآ، بل كانوا في حب ووفاق. واليوم تنابز الالقاب والسب والشتم والتكفير من على المنابر.
 وكان مجلس الاعيان مجلس (النواب) ومجلس الوزراء يمثل كل الشعب العراقي وعضو المجلس لايتحدث بطائفية ولا مناطقية ولا حزبية بل يتحدث باسم الشعب والوطن .
طوائف واحزاب
في حين اصبح نواب الشعب والوزراء اليوم يمثلون طوائفهم وأحزابهم ولا يمثلون الشعب، يتحدثون بطائفية مقيته تفرق ولاتوحد دون حياء او خجل .
الشهادات العلمية بالأمس يحصل عليها من جد واجتهد ونالها بموضوعها الجديد أطروحة او رسالة من جامعات مرموقة اما اليوم هناك أشخاص مهمون يشار لهم بالبنان في هذا المجتمع المنكوب حصلوا عليها دون تعب أو فتح مرجع او كتاب ليجنون من ورائها الأموال والمكاسب والعلاوات الوظيفية التي لا تتناسب مع هذه الدرجة العلمية ( غير المتعوب عليها).
بالأمس مدن نظيفة راقية يسودها الأمن والاستقرار والمحبة والألفة بين الناس ،واليوم اصبحت مدن مزدحمة بالعشوائيات ومكتظة بالأحقاد والاحتقان الطائفي والمذهبي والاثني . في الأمس كان البيع بكلمة عهد بين البزاز او صاحب علوة بيع الحبوب التي يتعامل معهما ابناء المحافظات او الاستدانة بين الناس ،اما اليوم فمحاكم وجيش من المحامين وقاتل ومقتول ونزاعات عشائرية لاسترجاع الحقوق المالية او نصـفها على اقل تقدير.  بالامس كانت الخلافات خلف ابواب موصدة، بنوع من الكتمان والسرية ، اما اليوم هذه الخلافات في اروقة المحاكم، بل اعتداء البعض على الاخر بالسب والشتم والضرب داخل المحاكم .
عادات الزواج بالامس كانت تتم عبر الاهل والخطابة واساسها البساطة والتواضع ،وعدم المبالغة سواء باقامة الحفل في المنزل او نصب خيمة في الشارع او الزقاق ،وتقديم الطعام المحضر في المنزل ودعوة الفرق الشعبية لتقديم الاغاني الشعبية والمربعات، وابناء الحي  والاقارب والاصدقاء يشاركون بكل الفة ومودة، مشاركين ومهنئين فرحين دون تكاليف تثقل كاهل العريس كثيرا، اما اليوم فتتم على اساس التفاخر والتباهي بالمظاهر، واقامة الحفل في القاعات والفنادق الراقية، ومتعهدو الحفلات يلتزمون بكل التفاصيل والحيثيات اضافة الى شروط السكن والمهر ومقدار الذهب والاثاث ،فاذا هو يتسم بمظاهر البذخ والترف، وهو ما جعل الشباب يعزفون عن الزواج حتى بسن متاخرة.. تغيرت صورةُ الحياة بين أمسِها ويومها، ومن ذا يعلمُ ماذا تكون غدًا؟

إرسال تعليق

0 تعليقات