قصة / المنتصر على السياط

مشاهدات


 



عالية محمد علي


كادت سيارة اسعاف لنقل القتلى المجهولين الهوية في بلدنا الذي يغلي تودي بحياتي ، كنت بطريقي في شارع رئيسي قلّت فيه المارّة الذين حتماً التزموا بيوتهم في ظل الخوف الذي عمّ العاصمة في فترة من أسوء فترات الاقتتال الطائفي البغيض ، وكان الذنب ذنبي في عدم انتباهي كنت لحظتها ساهمة احدث نفسي بفلسفة قد تكون بعيدة غاية البعد عن لحظتي الراهنة التي أمتزجت فيها رائحة الفناء مع صرخة طفل حديث الولادة ملقى قريباً من حاوية قمامة دون وازع أو ضمير .

كنت أفكر في نوع العلاقات مع الاخرين من وجهة نظر الرواة والمؤلفين والمفكرين كتولستوي وروبن ويليامز وغوركي وكافكا والتي كانت متعددة الميول ، واحاول استيعابها مقلّبة في ذهني عشرات الافكار علّ واحدة منها تلقي بزورقي الى ساحل اجد فيه منفذاً لعلاقة غريبة اخوضها الان مع صبي صغير في السابعة والنصف من عمره ، وانا بطريقي لدائرة الطب العدلي للتأكد من صحة صدور تقرير طبي يخصه ، بعد ان تعرض للتعذيب من قبل والده ولمدة ستة اشهر !

وذلك لاخلاء مسؤوليتي ان حدث ما لا تحمد عقباه .

كانت والدته امرأة من معارفي غير متزنة نفسياً بحكم ما مرّ عليها من اهوال لاقتها بمجتمع اسوء اتزاناً منها.

كان كل المطلوب هو شخص يعتني بهذا الطفل لاحتمال وفاته خلال يومين او ثلاثة كما تبين ذلك في قساوة تفاصيل الاصابات التي وردت في التقرير .

وبحكم معرفتي بهذه المرأة ومتابعتي لاحتياجاتها رضيت ان يكون الطفل بعهدتي واستلمته من والدته وهو يحتضر ، كان يعاني من فقر دم شديد وجسده مغطى بالاصابات وتنفسه ضعيف ، مع انواع الجروح والقطوع في الانف والشفة والاذن ، جسده الصغير متورم من اثار الضرب ، كانت والدته حاملاً به حين فرت لاهلها من سوء المعاملة وحين كبر الطفل اعادته لوالده الذي لم يعترف به واخذ يعذبه وزوجته الجديدة انواع العذاب انتقاما من والدته .

الا سحقاً لكل انواع الظلم في العالم .
هذا ما يحدث حين تغيب الرحمة .

راودتني فكرة التخلي عن تقديم العون لهذا الطفل خشية العشائريات المقيتة والتي ستحكم رقبتي في زمن جار فيه الباطل على الحق وما عاد الحق قادرا على العودة لنصابه في النفوس التي امتلئت شراً .

لكن النظرات المذعورة المنكسرة في بؤبؤ برائته المطلقة المغمضة نصف اغماضة دفعتني للمجازفة وبطبعي لا تقف بوجهي اي خسارة حين يكون ربح المقامرة روحاً ، لا يهم ان كانت بشراً او طيراً .

استلمت الطفل وسجيته على الاريكة في الصالة تمهيدا لنقله الى غرفة أخرى وغادرت والدته وهي تبكي ، وبدأت أفكر ، كيف لي ان انتظر المأساة القادمة أن فقدناه دون ان اتصرف بما تمليه عليّ الرحمة والواجب .

هل سأستطيع بعدها التعايش مع مشاعر الندم والاحساس بالذنب ؟

صليت ركعتين ينقصها الخشوع لعجالتي وقلت يارب أنت طبيبه وأنت الشافي ، فساعدني وقوني وثبتني .

حاولت اطعامه لكنه أبى بهزة مرتجفة من يده ، اعرف انه لا يستطيع تناول الطعام بحكم الاصابات التي على فمه ، لكنه تقبّل بعض العصير المخفف بالماء بواسطة قشة الشرب او كما نسميها القصبة ، قلت في نفسي مادام استطاع تناول العصير فأن هذا الطفل سيحيا ، نعم سيحيا رغماً عن السياط .

واللعنة على كل التقارير الطبية المادية التي لاتعترف بالروح ، رباااه ياااا رباه أعد اليه الحياة لاجلي .

فكان ان ادخلته المشفى لانه بحاجة لعملية نقل دم ، ولعدة ساعات ، خرجنا بعدها من المستشفى لتبدأ سلسلة من العذابات ، الجروح متقيحة وفات اوان خياطتها وتحتاج الى عناية خاصة ، واقترح أحد المضمدين ان تكون ضماداته من جهة الصدر والظهر هي ملابسه الداخلية لسعة مساحات الأذى وكنت اعيد غسلها وتعقيمها واعود مرة تلو الاخرى لاستخدام المراهم والادوية .

ماعدت ايامها اتمنى قدوم الصباح ، الصباحات عسيرة على قلبي لانه موعد تبديل الملابس والاستحمام ، الملابس التي كانت تلتصق بجسده الصغير رغم المراهم ويتطلب ذلك نقعها بزيت خاص تمهيدا لرفعها عن جسده النحيف .

كان هناك جرح قطّعي كبير في منطقة حساسة من جسده ويحتاج الى عملية لترقيعه ، ولن ينتهي الأمر بسلام الا بتخلص الصبي من فقر الدم وهذا يحتاج لوقت طويل .

وكانت صيحات الألم في الحمام متبادلة بيني وبينه ، هو يتوجع ويصرخ وقلبي يصرخ هو الأخر رحمة به ، ونستمر بالعزف على اوتار الألم الجسدي والروحي حتى يتعب مايسترو العذاب فنهدأ .

مرت اربعة اشهر مريرة يوازن مرارتها حلاوة الشعور بلذة العطاء التي تنتابني حين اراه يتعافى ببطء .

وبدأ يشعر بالأمان وغادرته النظرات القلقة .

وذات صباح رأيته يبتسم ولأول مرة !

ياااا ألهي ، وكأن جمهوريات الأرض كلها أتحدت وعم الرخاء العالم والكل مغتبط بنصيبه من الفرح .

بدأنا برنامجاً للتسلية واللعب ، الدفاتر والالوان والقصص وملابس الرجل العنكبوب وقناعه تزهو على محياه الرقيق .

كان جائعاً على الدوام
وكنت أعدّ الطعام على الدوام
وكأن مائدة سيدنا عيسى عليه السلام تُلقي لي بألذ اطباقها .
كنت أجد نفسي في هذا الصغير الضعيف ، وتعلقت به أيما تعلّق .
أخذت أجازة طويلة من عملي لاتفرغ لسعادتي معه .
وكأنني أرى دماءاً جديدة تسري في عروق هذا الأبن الجديد .

طيلة الوقت كنت مغتبطة لوجوده ، وحين كانت تأتي والدته لزيارته كنت أشعر بالخوف عليه واتذكر عالمه المضطرب الذي ان عاجلاً او أجلا سيعود اليه .

كانت هذه الفكرة تؤرقني ولا أجد في الواقع الاجتماعي الصعب الا احباطا يجلدني ، فأهرب للخيال وابني له عالماً فاضلاً يتلقى فيه التعليم والرعاية .

وجاء موعد تجديد اجازتي فتركته برعاية من أثق بها من صديقاتي ، وعدت مسرعة لأجد مفاجأة بانتظاري
كان سريره فارغاً
ياا للهول
وكأن صاعقة سمرتني بباب الغرفة .
رحمتك بي يااارب
اخذته والدته دون علمي .

كان يوماً عصيباً ، وانا اتخيله دون دواء ودون رعاية
ياربي لتوّي بدأت اطمئن عليه واعده للعملية .
كيف استطيع التعايش مع حزن الاعشاش الفارغة في قلبي !؟
بحثت عنه ووالدته في كل مكان توقعت فيه وجودهما
ولاااا أمل .

كألة صماء امارس تفاصيل يومي لكن بعين دامعة .
ما أقسى وجع دفاتر الرسم التي ترك صفحاتها دون ألوان
ذلك الصبي الذي تمنيت بعمري ان يزداد وزنه كيلوغراما .
مرت الأيام ثقيلة ولا خبر .

ولا أحد معي يشاهد ما تبقى من فيلم ( بيتر پان (
لا نسمة تهب من ) النيڤر لاند ) أرض المستحيل الأمنة التي رجوتها له .
ابعثر الطعام بصحني بالشوكة مللاً من أيام لا ادري أين هذا الصغير أمسى فيها .

وتمر الايام بمطرقتها الثقيلة على تفاصيل حيرتي .
وووو طرقات خجولة على الباب بعد شهر من وجع الروح فتحت الباب واذا به امامي ووالدته .

شعرت بمراكبي الغارقة على طول الساحل ترفرف باشرعتها الملونة على حين غرّة !

غسلت وجهه بدمعي المشتاق …

احتضنته ودون وعي كنت أكشف ملابسه الداخلية باحثة عن جرحه القطعي الذي يحتاج لعملية !

ياااا ألهي
لا وجود الا لأثر بسيط وكأن جراح ماهر عمل له العملية .

وبين دمعي سألت والدته ان كانت قد أجرت له عملية فأجابت بالنفي !

تذكرت دعائي في الركعتين التي كانت على عجالة ، لقد استجاب طبيب الاكوان وحين يستجيب ، لا أحزان .

أنه بطلي الصغير المنتصر الذي صارع السوط والجلاد .
والذي انتزع حياته من قبضة الموت .

وفي اليوم التالي كنت أصطحبه سيراً على الاقدام لتسجيله في مدرسة قريبة .

إرسال تعليق

0 تعليقات