تهميش الزوجة في طقوس الحزن جنوب العراق

مشاهدات



أ . د . سامي الزيدي

المرأة من الفئات المهمشة في الثقافة العراقية ولم تكن في سابق العهد لها حضورا واسعا في مسرح الحياة وكان الرجل يأنف من ذكر اسمها وحتى عندما يناديها كان يناديها بعبارة ( ولچ) ولا يسمح لها أن تسير بجانبه بل عليها أن تكون خلفه بمسافة . كما أن المرأة إذا ماتت يكون عزائها يتيما ولا يعلق لها راية كما يفعل للرجل ويستهجن البكاء عليها علانية أمام الناس .
وعلى الرغم من كون المرأة كانت بكل تفصيلاتها مهمشة إلا أن أغلب التهميش كان يقع على الزوجة اولا .. اذا أن الأم كان لها حضور في طقوس الحزن وقد تذكر في أشعارهم وتحضر في تمثلات الطقس الجنائزي وغيرها .. وكذلك كانت الاخت تحضر لما يعرف (بالنخوة ) إذ نجد الرجل الجنوبي يتخذ من أخته شعار الرجولة والذود عن حريمه فالاخت تمنحه عزيمه وحضور بطولي في ساحات الصراع فهو يكون مرة ( اخو عليه) و (أخو صبحه ) و( أخو باشا ) وغيرها من النخوات الجنوبية المعروفة . ولكون الاخت تمنح رمزية عاطفية فهي الشقيقة والتي ارتضعت حليب الأم فهي تمثل رمز الحنان والعاطفة والاخوية . فنجد اشعار النعي معظمها تتحدث فيها الاخت عن أخيها الذي يعرف ( بالولي) والذي تخاطبه دائما وتذكره بكفالته لها وتنشد فيه عاطفة وحنان الام . وفي ذات الوقت تهاجم زوجة أخيها والتي تحضر في مشاهد الحزن على أنها المفرقة والمشتته لذلك التوحد الأخوي فهي لا تلوم أخاها إنما تضع اللائمة على الزوجة التي يكون حضورها حضورا سلبيا في مشهد الحزن الطقسي الجنوبي .
أما الزوجة فلم يكن لها حضورا واضحا في ذاكرة المجتمع فهي تقع في اخر سلم التهميش الاجتماعي  ولا تحضر في أي طقسية اجتماعية كما تحضر الام والاخت والبنت .. ولعل الرجل لا يتحدث عنها في مجالس الرجال ولا يضعها شعارا للنخوة بل بالعكس إذا وجد أن الرجل يحترم زوجته أو يناقشها في أموره الشخصية عد جبانا .. ولعل عدم ذكر الزوجة أو التصريح باسمها على عكس الاخت يعود إلى ارتباط المرأة بالنزعة الجنسية التي كان الحديث فيها محضورا فالرجل يخشى أن تنصرف أذهان الرجال الى زوجته باعتبار أن الزوجة تشكل منطقة التلاقي الجنسي الذي كان آنذاك له حضوره في ذهنية الناس فلم يكن واجب المرأة سوى إشباع غرائز الرجل وهي التي اخذت لهذا الغرض لذا عملت المخيلة الشعبية على تهميشها وأبعادها عن الحضور .
هذا الوعي الجمعي الذي اختزن هذه الفكرة في أعماق الذهن الجمعي والذي لا يسمح لها بالحضور في أي طقس حتى في طقس الحزن فلا تجرؤ امرأة على أن تنعى زوجها شعرا كي لا يظن أنها تستذكر العلاقة الحميمية بينهم وهذا ما دفع الاخت أن تكون أكثر حضور في الفقد وعند الندب .
 وبما أن الطقوس العاشورائية جنوبية وهي تمثلات لثقافة شعبية فقد استبعدت الزوجة عن الحضور في طقوس عاشوراء فلا نجد أي حضور رمزي للمرأة في طقس عاشوراء .. نعم تحضر الام والبنت والاخت بكثافة حضورا مسرحيا وشعريا وتغيب الزوجة في كل الاحداث ..
 فالجنوبي ممكن أن تحركه احاسيس الإخوة والعاطفة اتجاه الام والبنت ولا تحركه عاطفته اتجاه الزوجة وحتى إن حضرت فهي تحضر بالخفاء دون التصريح بها .
فعند مطالعة رمزية المرأة في طقوس الحزن في كربلاء لانجد زوجة الحسين أو زوجة العباس حاضرة إنما نجد رمزية السيدة زينب وعلاقتها بالعباس بن علي تحضر بكثافة تفوق كل الرمزيات كونها تتماهى بقوة مع الرمزيات الجنوبية الشعبية .

إرسال تعليق

0 تعليقات