الحكومة العراقية والتطبيع ..بين ضرورة تقبلهِ ..وفكرة رفضهِ..

مشاهدات



ثائرة اكرم العكيدي 


على الرغم من وجود تاريخ طويل من العلاقات السرية بين دول عربية عديدة ومن ضمنها العراق مع وإسرائيل فإن خطوات التطبيع أخذت منحى متسارعا وعلنيا في الآونة الأخيرة. ويجري هذا التطبيع على عدة مستويات اقتصادية وتجارية وأمنية وعسكرية وثقافية ورياضية. فقد تنامى نسق التطبيع التجاري والاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية بوضوح خلال السنوات الأخيرة. 

تتجه الدول العربية، ولا سيما دول الخليج ولأسباب داخلية وخارجية مختلفة، إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وذلك قبل التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. وتعتقد هذه الأنظمة أن التطبيع مع إسرائيل يساعدها في حماية أمنها، وتقريبها من واشنطن، بغض النظر عن موقف الفلسطينيين وموقف شعوبها من هذا التطبيع، علما أن الرأي العام العربي ما زال يرفض بأغلبية كبيرة الاعتراف بإسرائيل. وقد توطدت علاقات بعض الدول مع إسرائيل إلى درجة التحالف قبل إقامة علاقات دبلوماسية ما يجعل مصطلح التطبيع قاصرا عن الوصف، لكن يبقى التركيز على خطوات تطبيع العلاقات نظرا إلى حساسية الرأي العام العربي الشديدة ضده. ويبدو واضحا أن هذا الموقف لم تؤثر فيه الهموم والقضايا الداخلية للشعوب العربية؛ فالعلاقة مع إسرائيل مدفوعة بحسابات الأنظمة وليس الشعوب. ففضلًا عن أن الرأي العام العربي يدرك أن السلام مع إسرائيل لم يحقق الرخاء للشعوب في الدول العربية التي وقّعت اتفاقيات معها، وأن هذا السلام كان من مصادر وقف الإصلاحات في النظام السياسي، فإن الشعوب العربية تعتبر القضية الفلسطينية، بوصفها آخر قضية استعمارية، قضية الأمة العربية جميعها، وهو أمر لم تستطع الأنظمة العربية تغييره.

ومن بوابة التهديد الإيراني، ازدادت علاقات إسرائيل مع بعض دول الخليج العربية متانةً. ففي آب 2019، صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن إسرائيل جزء من التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية الذي أنشأته الولايات المتحدة، ويضم السعودية والإمارات والبحرين وبريطانيا وأستراليا وألبانيا، ويهدف إلى تعزيز أمن وسلامة السفن التجارية التي تمر عبر الممرات البحرية. وينسجم هذا التصريح مع تقييم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي صرح، في نيسان 2018، لمجلة التايم الأميركية، عند سؤاله عن مدى توافق مصالح السعودية مع إسرائيل، قائلًا: لدينا عدو مشترك، ويبدو أن لدينا الكثير من المجالات المحتملة للتعاون

وبعد التصريح الناري الذي تحدث به السياسي مثال الآلوسي، غداة زيارة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إن وفد الحكومة العراقية برئاسة الكاظمي، سيناقش قضية التطبيع بين بغداد وتل أبيب خلال جولته الأوروبية، التي بدأها وتشمل كل من باريس برلين لندن.

هناك من يرى ان العراق بحاجة ماسة إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل وحسب ادعائهم ان العراق لن يكون دولة ذات سيادة إلا اذا تحرك نحو التطبيع مع اسرائيل ..

وتذهب إسرائيل، التي أزالت العراق من قائمة الدول المعادية لها في عام 2019م، الآن إلى أبعد مما سبق، فبعد تاريخ طويل من الصراع العراقي الإسرائيلي ترى الاعتراف العراقي بها البوابة الحقيقية لبقائها في المنطقة، لتبدأ الدعاية الرسمية الإسرائيلية بالترويج لفكرة أن العراقيين ليس لديهم مشكلة في الاعتراف بها، بل التسويق لأهمية مشاركة الإسرائيليين في إعادة إعمار العراق، على اعتبار أن يهود العراق كانوا مجتمعًا قويًّا في العراق في مجالات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا.

وفي وقت سابق وعد الكاظمي بتحويل العراق من ساحة معركة إلى ساحة سلام وتعاون للحكم، كان أحد أهم الدوافع التي شجعت اليهود العراقيين ككل على التحرك نحو العراق، مستغلين موجة التطبيع الحالية، فإسرائيل المعنية بالحصول على اعتراف من قبل البلدان العربية، تسعى دومًا وراء التطبيع مع العراق الذي تعده أخطر دول المواجهة معها.

وهي من أجل ذلك تثير قضايا عدة مع العراق، منها على سبيل المثال قضية استعادة اليهود العراقيين لجنسيتهم، فبعد إطلاق وزارة الخارجية الإسرائيلية منذ عام 2012م  حملة (أنا لاجئ يهودي)تطالب بتعويضات مالية لهم، والمساواة بينهم وبين اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم،  أثيرت قضية قانون الجنسية العراقية الجديد  الصادر سنة 2006م   وجاء فيها أنه ما يزال العراقي اليهودي يمنع من استرداد الجنسية العراقية.

هذا التفاؤل حدث مرة عندما سقط النظام السابق  في عام 2003م، فالنظام الأخير الذي حافظ على حالة الحرب الرسمية مع إسرائيل لما يقرب من 61 عاما، وأمر بإطلاق عشرات الصواريخ على تل أبيب، كان سقوطه نقطة تحول حفزت اليهود العراقيين نحو المطالبة بالعودة إلى العراق، والحصول على الجنسية العراقية، وحق استعادة الممتلكات اليهودية، لكن سرعان ما تفاجأ هؤلاء بأن انتهاء عهد صدام حسين لم يعنِ تحول العراق نحو نظام تطبيعي فيما يخص إسرائيل كما تمنوا؛ إذ برزت جماعات الإسلام السياسي السنية، وبرز المعسكر الموالي لإيران من جماعات الميليشيات والسياسيين العراقيين، الذي حطم آمال الجالية اليهودية العراقية في إسرائيل.

في تشرين الثاني من عام 2017  عرضت في العاصمة بغداد  مسرحية شعرية تستذكر أول وزير مالية عراقي وهو ساسون حسقيل. وقد كان مسرح العرض بيت حسقيل الواقع على نهر دجلة، حيث قدم الرجل، وهو يهودي الديانة، بوصفه وزيرا نزيها حافظ على الثروة العراقية أوائل القرن العشرين.وكان ساسون أحد اهم أعمدة الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 ، وكان مؤمنا بامكانية صهرجميع الطوائف والاقليات في بوتقة الوطن واعتبراها شعبا عراقيا واحدا وكما قال الملك فيصل الاول، الدين لله والوطن للجميع..

هذا الحدث الذي جاء بهدف المقارنة بين العهد الماضي والعهد الحالي للمسؤولين المتخمين بالفساد وسرقة المال لم تكن تحمل دعوة بالتطبيع مع دولة الاحتلال، بقدر ما تعني الاحتجاج على فساد النظام الحالي، والتذكير بتاريخ مواطنين مخلصين ومن بينهم يهود العراق الذين عملوا على تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد عام 1921م؛ إذ إنه قبل حصول العراق على استقلاله عاش اليهود العراقيون لسنين طويلة في بغداد (شكلوا 40% من سكانها)، وفي جيوب صغيرة أخرى في البصرة والموصل، واندمجوا في النسيج الاجتماعي، وتفوقوا في المجال السياسي والاقتصادي، وحتى الثقافي. لكن بعد نيل الاستقلال وانتهاء فترة الانتداب البريطاني عام 1932م، وفي حقبة الثلاثينيات ذاتها، تسبب بروز داعمي الفاشية والنازية بوضع أساس لكراهية اليهود في المنطقة، حتى إن عام 1941م السياسي العراقي الموالي للنازية، رشيد عالي الكيلاني، اندلعت أعمال شغب أدت إلى مقتل 180 يهوديًا عراقيا كانوا يشاركون في احدى اعيادهم اليهودية التقليدية في  بغداد، ثم مع إعلان دولة إسرائيل عام 1948م بدأت حياة اليهود العراقيين تتحول على جميع المستويات، ففي هذا العام الذي أعدم فيه رجل الأعمال اليهودي شفيق إدريس بتهمة بيع أسلحة لإسرائيل تلاه بعد ذلك التحريض ضد يهود العراق بصفتهم صهيونيين خائنين بمحاولات إغرائهم للهجرة إليها تحت ذريعة الخوف من أن تنال منهم اعتداءات أخرى، وبالفعل هاجر ما يقارب من 123 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل ما بين عامي 1950 – 1951..

هناك مخطط قديم وبدإ تنفيذه ايام الحرب على داعش وخاصة في محافظة الموصل التي تهدمت بنيتها التحتية جراء قصف طيران التحالف لها حيث وصل خراب الجهة اليمنى من مناطق الموصل الى ٩٥% وهذه المناطق تعتبر اماكن تاريخية حيث يبلغ اعمار بعض ابنيتها مئات السنين كانوا من سكانها الاصليين اليهود فترة الخمسينيات فهناك سوق مازال موجود اسمه سوق اليهود ومحلات وازقة وشوارع باسم اليهود كان دائما السؤال الذي يطرح نفسه لماذا طيران التحالف اصر على تدمير تلك المناطق دون غيرها رد السؤال جاء بعد التحرير حيث ظهرت شركات ووسطاء يشترون تلك الابنية والمنازل المحطمة والتي لم يتبقى منها سوى حجارة وانقاض واصحابها لا يستطيعون اعادة بنائها في الاصل لم يتبقى في تلك المناطق خدمات او شيء يوحي بوجود حياة شبح الاموات مازال يخيم عليها استغلت هذه الشركات ظروف المواطنين التعساء ولا احد يعلم من يدير هذه الشركات ولصالح من تعمل ولاسيما هي تدفع مبالغ طائلة في سبيل تحصيل ارض سعرها اقل بكثير ..اذن المخطط موجود .

الإسرائيليون الذين يريدون العودة إلى عراق متعدد الجنسيات والثقافات، يرون في عودتهم بوصفهم أقلية وتحقيق التحالف بين الأقليات العراقية، السبيل الوحيد لتحقيق مطالبهم، وفي هذا الإطار احتفوا بدرجة كبيرة بتصريح رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر قبل فترة عندما رد على تساؤل يتعلق بإمكانية عودة اليهود إلى العراق إذا كان ولاؤهم للعراق فهم موضع ترحيب.

يجب ان يكون هناك فصل بين  الدعاية الإسرائيلية وبين حق اليهود العراقيين في العودة إلى وطنهم الأم، فهذه العودة مماثلة لحق عودة الفلسطينيين، لقد عولت  إسرائيل على النقمة الشعبية على النظام الحاكم في العراق، النقمة التي تطال الأحزاب والحركات والميليشيات الإسلامية المرتبطة بإيران وتتبنى مواقفها، وكأن هذه النقمة ستمرر التطبيع بوصفه واحدة من سياسات إضعاف تلك القوى. لكن الحقيقة، أن الشارع العراقي لا يجد الاعتراف بإسرائيل أولوية أو حتى مصلحة.

هناك من  السياسيين ومن الشارع العراقي من يرى ان التطبيع هو تحرير العراق من النفوذ الايراني الذي يتحكم في سياسة الدولة العراقية الخارجية والذي يسعى هذا النفوذ ان يستخدم العراق والعراقيين، كأسلحة حرب بيده ضد عدد من الدول، ومن بينها إسرائيل.

هل يجب علينا فعلا  اقامة اتفاقية سلام مع إسرائيل كي ينعم  الشعب العراقي بامان وسلام هذا الشعب الذي  يحب الحياة ويريد العيش حاله كحال الشعوب الاخرى، وخصوصاً دولة الامارات، هل التطبيع سيخرجه مما هو فيه كما يصرح البعض من الساسة وحتى من الشارع العراقي لكن هذا الامر يتطلب جهدا كبيرا حتى يتم الخلاص من الاحتلال الايراني للدولة العراقية، وقراراتها المهمة والمصيرية.

 بعد شروع  التطبيع الاماراتي تحاول دولة الاحتلال أن تستثمر سخط الشبان العراقيين الذين خرجوا منذ عام وحتى الآن، في انتفاضة ضد النظام الحاكم والتوغل الإيراني في العراق إلا أن ما يظهر من ترحيب على وسائل التواصل الاجتماعي وهو نكاية بالإيرانيين وجماعاتهم المسلحةحسبراي البعض وهذا  لا يعبر حقًّا عن الموقف من التطبيع المرفوض، ويوضح لـساسة بوست مجرد شحنات غضب للاستفزاز، بالمقابل، تحاول إسرائيل اليوم، الاستفادة من نفور العراقيين من السياسات الإيرانية المتطرفة في المنطقة، وتروِج بأن السلام معها سيخلص المنطقة من النفوذ الإيراني إنه استغلال نفعي والتفاف على الحقائق

صحيح بعض الساسيين العراقيين يتكلمون باسم الوطنية والقضية الفلسطينية هذا فقط عبر الشاشات والاعلام لكن هناك اتفاقيات سرية بينهم وبين اسرائيل هناك تواصلاً غير رسمي فيما بينهم ، لكن تحكم إيران بالمشهد السياسي العراقي يحول دون مزيد من التطور  في هذه العلاقات لو كان السياسيون العراقيون لا يخافون من إيران وطهران لا تتحكم في قراراتهم، لكان العراق قد سبق الإمارات في عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل..

وبرغم ما سبق عززت بعض مظاهر التطبيع التي توالت إثر سقوط النظتم السابق  التوقعات الإيجابية لليهود ذوي الأصول العراقية، كأن يزور نواب سابقون، أمثال مثال الألوسي إسرائيل مرتين على الأقل بين عامي 2004 و2008م، وهي زيارات تسببت في نهاية المطاف بإلغاء المحكمة الفيدرالية العليا لائحة الاتهام ضده، وإلغاء اعتبار زيارة المواطنين العراقيين لإسرائيل جريمة  يعاقب عليها القانون، وفي الأعوام الأخيرة تزايدت مظاهر التطبيع، حتى أضحت تعليقات العراقيين على صفحة السفارة الافتراضية في العراق على فيسبوك والتي أنشأتها إسرائيل عام 2018م بالآلاف، فيما أحدث وصول الوفود العراقية إلى إسرائيل في بداية العام الماضي ضجة كبيرة، وذلك بالتزامن مع ازدهار العلاقة بين إسرائيل والقادة الأكراد العراقيين، التي وصلت لحد إعلان إسرائيل دعمها لاستقلال الأكراد.

وتعد النقطة الأهم في مسيرة التطبيع العراقي الإسرائيلي، هو ما تحدث به السفير العراقي لدى الولايات المتحدة فريد ياسين خلال ندوة حول علاقات العراق مع إسرائيل في فيرجينيا الأمريكيةإذ قال ياسين يوم السادس من يوليو تموز 2019 إن هناك أسبابا موضوعية قد تتطلب إقامة علاقات بين العراق وإسرائيل، بما في ذلك وجود جالية عراقية مهمة في إسرائيل، ما تزال تعتز بخصائصها وتقاليدها العراقية، خاصة في حفلات الزفاف والمناسبات الأخرى.

تبدل الزمن، وبات ابرز قادة العرب وامرائهم  الذي كان يرون  قبل عقود أن أبجديات الحكم تكمن في معاداة العدو والإفراط به، بات هذه الأيام يرى أن مصلحة بلاده العليا تتطلب إسقاط محرم قديم والذهاب إلى تطبيع مع عدو بات سابقا.

يحتاج العرب جميعا إلى القفز عن مرحلة المتاجرة بقضية بفلسطين باتجاه إنهاء هذه القضية بما يعيدها قضية عربية لا قضية فلسطينية فقط. لا يحتاج العرب جميعا إلى التطبيع مع إسرائيل بقدر حاجة إسرائيل للتطبيع مع العرب. وإذا ما بات التطبيع قدرا تفرضه موازين القوى فحري بالعرب جميعا أن لا يكون الأمر مجانيا وأن يفرضوا، بالعقل، على العالم، وربما على الفلسطينيين أنفسهم، حلا عادلا يجوز بعده ارتكاب أي تطبيع بدون استحياء أو حرج.

اخيرا  نقول نحن أن ثقافة السلام تستند للاعتراف مما يؤدي للتعايش السلمي والمساواة والتسامح والندية بالحوار، فالاعتراف بالطرف الاخر، وحقوقه ثقافة سلام، والمساواة بالواجبات والمتطلبات والندية بالتمثيل هي حقيقة مقومات السلام وثقافته هل تتوفر مثل هذه القاعدة اليوم مع اسرائيل  الذي وجب أن يكون المسار معها في تعزيز مقومات البقاء والصمود والتفاعل، والتعامل، والمواجهة بكافة أشكالها بما لا يضر بمصالح الشعب والأهداف المتحققة.

إرسال تعليق

0 تعليقات