أخ في المعارضة وآخر في السلطة

مشاهدات



إبراهيم الزبيدي


من فوائد عبداللطيف الكمالي علينا نحن المذيعين أنه أنشأ قسما خاصا لمراقبة نشرات الأخبار والبرامج، ووظف فيه غُلاة اللغويين، وجعل عقوبة المذيع الذي يُخطئ في اللغة خصم دينار واحد من راتبه.

مساران متوازيان

عبداللطيف الكمالي هو الشقيق المعاكس، سياسيا، لشفيق الكمالي، الوزير والشاعر والمقتول سما وغما في ما بعد. عمل عبداللطيف فترة قصيرة مذيعا في الإذاعة في أوائل الخمسينات، وانتمى مبكرا إلى حركة القوميين العرب، وكان أبرز أركانها في العراق والوطن العربي، على عكس شقيقه البعثي الشهير.

وبسبب ذلك الافتراق السياسي كانت الوالدة تزور السجن باستمرار. فحين يكون أحدهما في السلطة يكون الآخر في السجن. وظلت على هذه الحال زمنا ليس بالقصير.

أصبح عبداللطيف مديرا عاما للإذاعة والتلفزيون في 1964. ولأنه كان لطيفا، كاسمِهِ، وصادقا ونزيها وشجاعا، فقد وضع يده بقوة في أيدي شباب الإذاعة والتلفزيون غير الملوثين بالرشوة والفساد والشللية. فكان يساندهم وينصرهم على خصومهم من المخضرمين الذين أخذوا المهنة عن طريق المصادفات أو الوساطات، دون دراسة ولا علم ولا احتراف.

وكان يعرف تماما تفاصيل لعبة المواقع الهامة في المؤسسة، بين الجيل المؤسس والجيل الذي يليه، والجيل الثالث الذي كنا ننتمي إليه. لذا كان دخوله إلى المؤسسة، كمدير عام، بداية تشتيت شمل تلك (الفئة الحاكمة) في المؤسسة، وزرع المواهب الشابة في أماكنها الحقيقية. كان يقرأ كل شيء. يسأل عن كل شيء. لا يكل ولا يمل. تجده في الإذاعة صباحا، ثم تفاجأ به ظهرا، أو مساء، أو في أوائل ساعات الصباح. يحب الجديد، ويحترم الكفاءة والموهبة، ويكره، إلى أبعد الحدود، فئة المتماهلين والكسولين والغشاشين والمرتشين في ذلك الجهاز الخطير.

من فوائده علينا نحن المذيعين أنه أنشأ قسما خاصا لمراقبة نشرات الأخبار والبرامج أسماه (قسم الاستماع) على مدار الساعة، ووظف فيه غُلاة اللغويين من أمثال زكي السلامي وكاظم الطباطبائي وجميل الخاصكي، وجعل عقوبة المذيع الذي يُخطئ في اللغة خصم دينار واحد من راتبه مقابل كل خطأ لغوي يسجله عليه قسم الاستماع. فلم يكن أمامنا إلا أن نلجأ إلى الدكتور مصطفى جواد العلامة اللغوي الذي كان يحضر إلى الإذاعة يومين في الأسبوع لتسجيل حلقات برنامجه اللغوي الشهير (قل ولا تقل) لنعرض عليه ما نشك فيه من صيغ إعرابية، ومن إشكاليات لغوية، لا حبا في اللغة ذاتها، بل سعيا لإنقاذ الراتب المسكين من عقوبة الكمالي. وهكذا، وبعقوبته المبتكرة، صنع الكمالي من جيل إعلاميي ذلك الزمان لغويين متمكنين يقفون على أرض صلبة في فقه اللغة، وتفاصيل إشكالياتها العويصة. ولكنه، دون أن يقصد، نغص عليهم الاستماع إلى إذاعيي هذه الأيام وهم يذبحون اللغة العربية من الوريد إلى الوريد.

إرسال تعليق

0 تعليقات