اوراق من ذكرياتي

مشاهدات



فائزة محمد علي فدعم



على زقزقة العصافير صباحا بعد شروق الشمس ضحكت الوالدة وقالت ان شاء الله اليوم يأتينا خبرٌ مُفرح او مكتوب ( تقصد رسالة ) حسب العادات والتقاليد كان الناس يتفاءلون بالخير عندما يسمعون اصوات العصافير . 



وبالفعل بين الحين والاخر يطرق ساعي البريد باب المنزل فتصل رسائل يبتهج لقدومها الوالد من أصدقائه المميزين ومنهم السيد عبدالرزاق شكاره والسيد صبيح ممتاز الدفتري وبعد اتمام قراءتها يضعها داخل الصندقجة (وهي عبارة عن صندوق خشبي كبير وجميل يضع فيه مقتنياته) ومنها الختم الخاص به وبأسرته وساعات متنوعة من ماركات كارتيه وارماني ولونجين وستزن واكثرها كانت من الذهب ومسبحات من جميع الانواع ذات ( كركوشة ) ذهب او فضة وعملات من نقود اجنبية وخواتم ثمينة وبعض التحف الاثرية واذكر انه كان احدها صورة رجل على ظهره أحمال .



وعند مجيء الضيوف المقربين للوالد كان يعرض مقتنياته عليهم ليشاهدوها ويقوم بإهداء بعضها أحيانا . ويوماً ما جاءتنا ضيفة من بغداد للزيارة وكان زوجها وكيل اعمال ابي لأنه آنذاك كان يملك داراً مكونة من عشرين غرفة مُؤجرة للعزاب (الزكرتيه) ومع قدوم الضيفة ماكان مني الا ان فتحت الصندوق واخرجت مسبحة ثمينة للغاية واعطيتها اياها دون معرفة مني بقيمتها فقد كنت اقلد مايفعله فقط ورحلت المرأة وبعد ايام تفقد مقتنياته فلم يجدها وظل يبحث عنها دون جدوى وكالعادة انا من لبست التهمة فلا احد يفتح الصندوق غيري ولخوفي من العقاب تساءلت في نفسي ما العمل فهربت الى الشارع واتجهت فوراً إلى القنطرة وعبرتها إلى الجانب الآخر وطرقت باب بيت السيد شاكر الجوهر لألعب مع ابنتهم صديقتي نوال وبعد ان ضجرت دخلت الدربونة بمحاذاة بيت السيد عبدالوهاب الدباغ الصيدلي وكانت نهايتها كلها بساتين فخفت وعدت الى الدربونة الاخرى التي كان يسكنها الحاكم السيد برهان الدين باش اعيان وهو من اهالي ( طق طق ) لان ابنتيه وجدان وعنان صديقات لي نلعب معا . وبعد ان انتهينا من اللعب خرجت من بيتهم وفي الطريق قابلني السيد نزار كرم والسيد اريج ابن الدكتور بسيم رئيس الصحة حينها وابن خالي قاسم غناوي (شقيقي بالرضاعة) وقام نزار واريج بمشاكستي برمي كرة (چبن) علي وانا امشي فمسكتها بيدي ورميتها في نهر خريسان فتعجبوا من تصرفي هذا لأني كنت مهمومة وخائفة من ردة فعل الوالد فقام بزجرهم ابن خالي قاسم فكفوا عني وبعدها بقليل قابلني السيد زهير كرم الخشالي وكنا صغاراً في نفس العمر فقال لي : 



بنت ابو فينة . اي الطربوش (لان والدي في بعقوبة كان يلبس الطربوش والصاية تيمننا بالزعيم المصري سعد زعلول وعند ذهابه الى مناطق اخرى كان يرتدي الصدارة الملكية والبدلة والرباط ) فرددت له الصاع صاعين وعندما اذكر هذا الموقف ابتسم . وبعدها اخذتني قدماي الى دار الدكتور صبحي محمد نوري ووقفت عند بابهم والتقطت من الارض صور دعاية لأدوية رماها موظف الخدمة أرضا وكانت لأطفال يشربون الدواء من شركة (فايزر) اذكر اسمها حتى الان وتعبت فجلست عند عتبة باب السيدة ام يونس ورميت الصور التي جمعتها ثم استمريت بالسير بغير هدف .



في ذلك الزمان كان مقابل المتصرف نجم الدين صائب حدائق غناء مزروعة بأشجار الياس والورود . الان هي صبات كونكريتية جلست هناك للاستراحة ولمحت ابن خالي وهو يبحث عني فتواريت خلف الاس لأنه كان كثيفا جداً ويكفي لتختبئ خلفه طفلة بحجمي وبعد ذهابي اصابني الجوع فقررت الرجوع لكن الى اين لا ادري وكان لنا جيران كانوا قد اقاموا قبل ايام حفلة عرس فلمحت والدي من بعيد دون ان يراني فدخلت دار العروس مُسرعة وفي مقابل باب الدار بالضبط كانت هناك غرفة كبيرة لا يوجد فيها احد فدخلت واختبأت تحت سرير فيها دون ان اعلم انها غرفة العروس ومن رائحة الشموع والحناء وماء الورد عرفت انها غرفتها وبعد دقائق دخل العريسان بعد ان تناولوا طعام الغداء وافزعني ذلك ومن حسن الحظ انه بعد تجاذبهم اطراف الحديث طرقت والدته باب الغرفة ودعتهم لاستقبال ضيوف للتهنئة وعندها تنفست الصعداء وهربت فورا مُتسللة دون ان يلمحني احد غير واعية لما افعل من الخوف وعند خروجي شاهدني الوالد فامسك يدي برفق واصطحبني الى البيت وبين الفرح لرجوعي والغضب لما فعلته كانت تواجهني ثلاث تهم .



1 : الهروب من الدار


2 : التصرف بالمال العام دون علم احد او موافقتهم


3 : معاناة الاهل والاقارب والجيران في البحث عني



كان يوما حافلاً بالمفاجآت لكني كنت متفائلة انه سينقضي على خير ما يرام وهذا ما جرى فعلا ...

إرسال تعليق

0 تعليقات