عاصفة ميشيل رامبو

مشاهدات

 




بقلم / نذير جعفر / سوريا

«وشهد شاهد من أهلها» هذه المرّة، من هناك، من داخل الغرف السريّة للدبلوماسية الفرنسية، ومطابخ القرار الأمريكي/الأوروبي في البنتاغون، إنه السفير الفرنسي السابق في السودان ميشيل رامبو الذي يثير عاصفة حقيقية في كتابه الجديد: «عاصفة على الشرق الأوسط الكبير Moyen- orient Tempête sur le grand الصادر حديثا في باريس بعد سلسلة كتب في الحرب على سورية لصحافيين وسياسيين من دول عدة. ويعد هذا الكتاب أهمها لجمالية أسلوبه ولغته وعمق أطروحاته التي تجمع بين رصانة المفكّر وشفافية الشاعر، ولما تضمّنه في المقام الأول من تقصٍّ ورصد وتحليل ووثائق واقتباسات واستنتاجات واسعة لأسباب وخطط ومسارات هذه الحرب العدوانية المبيّتة منذ إدراج البنتاغون لسورية في العام 1992م ضمن الدول المارقة، والبدء في رسم سيناريوهات خطة تدميرها في العام 2002م بوصفها إحدى دول محور الشّر، ثم الشروع بتنفيذ هذه الخطة المحكمة وليس المؤامرة في آذار 2011م في سياق ما أطلقوا عليه «ثورات الربيع العربي» بتمويل قطري سعودي ودور تركي وأدوات تكفيرية محليّة وخارجية يغطيها أسطول إعلامي واسع التأثير والنفوذ تقوده فضائيات: الجزيرة، والعربية، وأورينت، ومسوخ من القنوات والصحف  والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل والنوادي والمحافل باسم المجتمع المدني وحقوق الإنسان أنشئت خصيصا لهذه الغاية! مستغلة بذلك الاندفاعات الشبابية والنوايا الطيبة في التغيير لدى شرائح متضررة اقتصاديا وسياسيا في المجتمع السوري لم تكن لتفكّر يوما بأنها مجرد أدوات يتم سوقها إلى تدمير وطنها تحت رايات كاذبة وشعارات برّاقة.
يرى المؤلف أن الأهداف العميقة وراء تصنيع «الربيع العربي» الأسود، هي دعم النظام الجيوسياسي الموالي للمصالح الأمريكية وإسرائيل عبر قلب الحكومات المناهضة للهيمنة الأمريكية ومنع ظهور أي قوة إقليمية، وضمان الوصول إلى موارد النفط والغاز وتأمين خطوط نقلها، وبسط النفوذ على مجمل الشرق الأوسط الكبير أو الجديد بتعبير غونداليزا رايس.
ويسوق المؤلف ما قاله برنار هنري ليفي حرفيا لتنفيذ ذلك عبر «خلق كيانات طائفية أو عرقية، وإشاعة التوتر بين الشيعة والسنّة وقلب أنظمة الحكم العلمانية والقومية بما يلبي تماما مستلزمات إستراتيجية البلقنة الجديدة». هذه الإستراتيجية الهادفة إلى تحويل الوطن العربي إلى حساء من الدويلات متناهية الصغر ومجردة من كل سلاح ومنغمسة في الفوضى. ويضيف المؤلف إن تخدير حس المحاكمة لدى المواطنين وتهيئتهم لقبول وشرعنة فكرة التدخل الأجنبي من نافذة الدعم الإنساني عبر الأمم المتحدة بتجاوز العوائق التي يفرضها أي عمل تحت الفصل السابع وهو ما تم بالنسبة إلى ليبيا بكل بشاعة وصفاقة وعدوان وكان من المقرر أن يُكرّر بالنسبة إلى سورية أيضاً لولا الفيتو الروسي الصيني المزدوج.
  ويعيب المؤلف على بعض المثقفين السوريين مشاركتهم في الحملة الظالمة على وطنهم مندهشا من إصرارهم على أن لا يروا طيور السنونو العجيبة التي صمّمت أن تنشر الربيع في كل مكان إلا في أعشاشها!
   ولا تخلو صفحة من هذا الكتاب البالغ 650 صفحة من السخرية المرة تجاه قطر التي يرى أنها ولدت من فقاعة غاز وسراب، وهي لا تعدو أن تكون مجرد بعوضة مكتنزة بالمال ويرى في حمد بن جاسم الضفدع المنتفخ، أو إيكاروس الذي حاول أن يطير بجناحين من الشمع فسقط ودق عنقه على جبهة الصمود السوري الأسطوري.
   تلك بعض مناخات ومفاتيح هذا الكتاب الذي لا تغني أي مقاربة عن قراءته والتمعن فيه لمعرفة خدعة ربيعنا السوري.

إرسال تعليق

0 تعليقات