التقارب (السعودي-الايراني) بين الدوافع والابعاد

مشاهدات



المحامي :مصطفى الجبوري 


بالرغم من تجذر العداء التاريخي بين السعودية وإيران فإن قطع العلاقات الدبلوماسية لم يكن الحدث الذي أرخ لبداية الصراع بين الجارتين، السعودية وإيران، في عصرنا الحديث. فالتوتر في العلاقات بين البلدين يمتد إلى السبعينيات من القرن الماضي، عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران ووصل رجال الدين الشيعة إلى السلطة. عندها اعتبرت الرياض الأحداث في إيران بمثابة تهديد لسيادتها الوطنية ولنفوذها التقليدي في العالم الإسلامي. ومنذ ذلك الحين بقي الصراع مستعرا بوتائر مختلفة من الحدة الى أن اشتد سعيره بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

لعل آخر فصول تدهور العلاقات بين القوتين الإقليميتين ( السعودية وإيران) هو ما وقع بعد وفاة مئات من الحجاج ومعظمهم إيرانيون في حادث تدافع أثناء موسم الحج عام 2015. وقالت إيران يومها إن عدم كفاءة المنظمين كانت سببا في وقوع الكارثة وقاطعت الحج العام الماضي. وساءت العلاقات مرة أخرى بعدما أعدمت السعودية رجل الدين الشيعي "نمر باقر النمر" وما تلاه من احتجاجات إيرانية عارمة أدت لاقتحام السفارة السعودية في طهران، وهو ما ردت عليه الرياض بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع طهران.

كما يخوض الجانبان حروبا بالوكالة في عدد من ساحات الصراع في اليمن والبحرين والعراق ولبنان وسوريا. ويقفان على طرفي نقيض في كل الأزمات التي تشهدها المنطقة.

شهدت العلاقات الإيرانية السعودية خلال الأربع عشرة سنة الماضية تقلبات، بما في ذلك المواجهة والتنافس، وأحياناً التعاون، ولكن يبدو اننا وصلنا اليوم إلى نهاية اللعبة، وبينما تتبنى حكومات البلدين مواقف متعارضة في العديد من القضايا الإقليمية، فإن تحسين العلاقة ليس "محكوماً عليها بالفشل".

ويعتقدان أن الخطوة الأولى لتحسين الوضع هي أن يفهم كل طرف "شعور التهديد" من الطرف الآخر، سواء كان هذا التصور حقيقياً أم وهمياً. الخطوة التالية هي الاتفاق على "المبادئ الأساسية" التي يُبنى عليها مستقبل العلاقة". وطرحا 12 مبدأ واقترحا الدخول في حوار مباشر حولها، أبرزها "تكوين علاقات على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمساواة في الموقف، والحفاظ على السيادة والسلامة الإقليمية، والاستقلال السياسي، وحرمة الحدود الدولية القائمة لجميع دول المنطقة واحترامها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإنكار هيمنة أي دولة في المنطقة، وضمان حرية الملاحة والتجارة الحرة للنفط والموارد الأخرى وحماية المنشآت الحيوية في المنطقة، حظر إنتاج وتوريد أسلحة الدمار الشامل".

من جهة أخرى، اقترح مراكز الدراسات الستراتيجية الأميركية التابعة للحزب الديمقراطي البدء في تعزيز النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط من خلال تخفيف الانحياز تجاه إسرائيل والسعودية، وفي هذا السياق، فإن انتخاب بغداد كمنصة تفاوض بين السعودية وإيران ليس عرضياً، فللعراق أهمية كبيرة عند كلا الدولتين من النواحي الجيوسياسية والدينية، كما أن حكومة الكاظمي تحظى بقبول أميركي وإيراني وسعودي.

غير أن آفاق التطبيع بين الجانبين لا يزال يسودها الغموض أمام حجم العداء المتراكم، ولا يزال كل طرف يطرح شروطا قد لا يقبلها الطرف الآخر. وبهذا الصدد "فموقف الرياض واضح ويشترط عدم تدخل إيران في دول المنطقة، في البحرين والكويت واليمن وفي سوريا ولبنان..". وهذا ما يعني عمليا أن حظوظ نجاح محاولات التقارب بين الجانبين قد لا تتعدى مرحلة جس النبض.

ختاما، لابد من الإشارة الى أن الانفراج السعودي الإيراني يخدم مصالح الولايات المتحدة من نواحٍ عديدة. فكل ما يقلل التوترات وخطر الحرب في هذا الجزء من العالم يقلل أيضًا من مستوى التطرف الذي قد يضر بمصالح واشنطن. ويقلل هذا التطور أيضًا من الحاجة إلى الانتشار العسكري الأمريكي أو الالتزامات المكلفة الأخرى لحماية الممرات المائية وأمن أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة. كما أن إدارة بايدن، تدرك أن اتفاق سلام حذر مسيطر عليه، يفتح الافاق أمام حركة اعمار في جميع القطاعات المدنية والعسكرية، لا مناص فيها من الاعتماد على صناعات واستثمارات أمريكية وغربية متطورة.

إرسال تعليق

0 تعليقات