العنف المنزلي يهدد كيان الأسرة العراقية

مشاهدات



د. باهرة الشيخلي


الحروب والنزاعات وضعف تطبيق القوانين وافتقاد المجتمع للقيم عوامل فاقمت من الجرائم الأسرية.

ظاهرة العنف الأسري في العراق أصبحت عصية عن الحل

تنامت خلال الأعوام الأخيرة حوادث العنف المنزلي في العراق ليعيش المجتمع الكثير من القصص المؤلمة التي تعكس تدهور أوضاع الأسرة العراقية، في ظل ظروف استثنائية مرت بها البلاد منذ 2003. ويرجع نشطاء هذا العنف إلى غياب قانون يتعلق بالعنف الأسري إضافة إلى ضعف في تطبيق القوانين الأخرى المتعلقة بالقتل أو الشروع فيه. ويبررون غياب القانون برفض أحزاب في السلطة إقراره.

تفاقمت الجرائم الأسرية في العراق خلال الأعوام الأخيرة ما جعلها تصنف كظاهرة. وبحسب إحصائية لها، سجلت مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري في وزارة الداخلية العراقية، العام الماضي، 15 ألف حالة عنف منزلي في العراق.

وفي الأسبوعين الماضيين أقدم أب على قتل أبنائه الثلاثة ‏شنقا حتى الموت ‏في محافظة ميسان، وأحرق شاب أباه ليفارق الأخير الحياة ‏متأثرا ‏بجروح الحرق في المحافظة نفسها، وفي العاصمة بغداد أقدم ثلاثة شبان على قتل والدهم ‏بسبب ‏خلافات حول الميراث.

وفي محافظة ذي قار، التي ‏تشهد وضعا اقتصاديا مترديا، أقدمت فتاة على الانتحار بواسطة غطاء الرأس “الشال” داخل غرفتها. ‏

وقبل ذلك، رمى رجل زوجته من السيارة عندما كان ‏يسير بسرعة كبيرة، وقد فارقت المرأة حياتها ‏على إثر الحادث.‏ وفي محافظة أربيل أقدم رجل على قتل زوجته التي تبلغ من ‏العمر ‏‏30 عاما، فيما ألقت القوات الأمنية القبض عليه.

هناء أدور: لن يتحقق الأمان في غياب قانون يحظر العنف الأسري هناء أدور: لن يتحقق الأمان في غياب قانون يحظر العنف الأسري

وتحدث في بلاد انهارت مؤسساتها وتتسيد فيها ميليشيات تنفذ أجندات غريبة عنها وعن شعبها، الكثير من هذه الحوادث وأشباهها، ولا يكاد يمر يوم دون أن تنشر وسائل الإعلام والقنوات المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي المزيد من القصص والأخبار عن جرائم وانتهاكات يرتكبها رجال أو نساء ضد بعضهم أو ضد أبنائهم، فهناك رجال أحرقوا زوجاتهم وزوجة ألقت طفليها الرضيعين في خزان ماء وهناك نساء قتلن أزواجهن، وغيرها الكثير من القصص المؤلمة التي تعكس تدهور أوضاع الأسرة العراقية في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق منذ 2003.

وتشير الناشطة في حقوق المرأة، سناء قاسم، في حديث صحافي، إلى أن بعض المواطنين لا يبالون بالآداب ‏المجتمعية، فـ”المجتمع فقد الكثير من القيم”.

وتعزو هذا العنف الذي استشرى في المجتمع إلى “عدم وجود ‏قانون رادع له”، كما أن “هناك ضعفا في تطبيق القوانين الأخرى المتعلقة ‏بالقتل أو الشروع بالقتل”، محذرة من أن هذا “يفاقم هكذا جرائم”.

وتردف الناشطة أن “تشريع القانون يواجه تحديات عدة”، مشيرة إلى أن أطرافا كثيرة ترفض ‏تشريعه، لأنها تعد ذلك “تدخلا في أمور الأسرة والبيت”.

وأوجب الدستور العراقي في المادة (29) منه على الدولة أن توفر الحماية للأسرة بوصفها أساس المجتمع، لاسيما الأمومة والطفولة والشيخوخة، كما منع الدستور كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع، لكن يبقى التساؤل مطروحا لماذا لا تضطلع السلطتان التشريعية والتنفيذية وانطلاقا من هذا النص الدستوري بالتعاون في سن القوانين المناسبة التي توفر الحماية للأسرة والمجتمع؟

وفي لقاء تلفزيوني أجابت الناشطة الحقوقية هناء أدور، وهي من أشد الداعين إلى إقرار القانون، عن السؤال أن المعترضين على قانون العنف الأسري في البرلمان هم مجموعة محدودة، متهمة الأحزاب بأنها وراء تدمير الأسرة العراقية، ومشددة على أنه “لن يتحقق الاستقرار والأمان في المجتمع ما لم يكن هناك قانون للعنف الأسري”.

وكان مجلس الوزراء صوّت في 4 أغسطس سنة 2020 على مسودّة مشروع قانون الحماية من العنف الأسري وأحاله إلى رئاسة مجلس النواب لأجل تشريعه وإقراره، إلا أن أحزابا في السلطة وقفت في وجه تمريره.

وتوجه أصابع الاتهام إلى أحزاب الإسلام السياسي المتحكمة بالعملية السياسية في العراق منذ 2003، والتي تعارض تمرير القانون في البرلمان بحجة أن بعض بنوده تتعارض مع الشريعة الإسلامية والأعراف الاجتماعية.

وقال قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق “إن قانون العنف الأسري ليس من أولويات الشعب العراقي”، واصفا إياه بـ”المشروع الذي سيفكك الأسرة العراقية”، معتبرا في كلمة تلفزيونية بمناسبة شهر محرم (أغسطس الماضي) أن “اسم قانون العنف الأسري جميل، لكن فيه محاولة لدس السم بالعسل من خلال ذكر عبارات فضفاضة ممكن أن تستخدم لضرب الأسرة العراقية والمجتمع العراقي وتفكيكهما”، زاعما أن “بعض المواد والفقرات في قانون العنف الأسري تعتبر جريمة”.

المجتمع العراقي يعيش معاناة أسرية واجتماعية، بعد أن تلهت أحزاب السلطة بالنهب والسلب واقتسام الغنائم بينها

وأعلن النائب والقيادي في الكتلة الشيعية عمار طعمة، في بيان، أن مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي، مدعيا أن “مشروع قانون العنف الأسري يتضمن مضامين خطيرة تنذر بعواقب تخريبية تستهدف استقرار العائلة والمجتمع العراقي”.

وإزاء تزايد حجم الجرائم العائلية في العراق بنحو خطير، تحركت منظمات الأمم المتحدة ضمن مسؤوليتها في رعاية حقوق الإنسان وحرياته، فناشدت بعثة الأمم المتحدة في العراق مجلس النواب العراقي الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، مشيرة إلى “تقارير مثيرة للقلق” تفيد بارتفاع حالات العنف القائم في المجتمع بنحو عام وداخل الأسرة الواحدة بصفة خاصة.

ويرد مراقبون أسباب تصاعد العنف الأسري في العراق في السنوات الأخيرة إلى عوامل عديدة أبرزها تأثير الحروب والنزاعات التي خاضها العراق، منذ أربعين عاما، والانفلات العام عقب الاحتلال الأميركي وانتشار الميليشيات والعصابات المنظمة والسلاح المنفلت وتفشي المخدرات، بالإضافة إلى تراكم الضغوط والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة وما تتركه من آثار خطيرة على المجتمع والأفراد، ما جعل بعض قوانين العقوبات العراقية السائدة عاجزة عن معالجة المشكلات والأزمات الاجتماعية المتزايدة، وسط انشغال الحكومات والقوى السياسية بالمشكلات الأمنية والسياسية والاقتصادية والصحية.

ويتفق الجميع على أن المشكلة في العراق ليست في إصدار قوانين لحفظ حريات المجتمع وأفراده وتنظيم أوضاع الأسرة وعلاقات أفرادها في ما بينهم، وإنما المشكلة في محاولة قوى سياسية ودينية فرض نمط من الأفكار والممارسات والعادات الدينية والاجتماعية تقليدا للنموذج الإيراني، بالإضافة إلى استغلال بعض القوى السياسية رفض القانون لأغراض الكسب السياسي بين جمهورها.

ولا يمكن علاج هذه الأوضاع في ظل بقاء النفوذ الإيراني وميليشياته المتحكمة بكل صغيرة وكبيرة في البلاد، وأن أي حكومة ستأتي لن تستطيع أن تضع حلولا لأي مشكلة في البلاد إذا شاءت فيها الميليشيات شيئا فإنه يتحقق وإذا لم تشأ فلن يتحقق، ومعلوم أن هذه الميليشيات ليست هي المشكلة، وإنما من يرعاها ويحركها، وهو نظام الولي الفقيه.

ويرى مراقبون أن المجتمع العراقي يعيش معاناة أسرية واجتماعية، بعد أن تلهت أحزاب السلطة بالنهب والسلب واقتسام الغنائم بينها واستبدلت أخلاقيات الدرس التربوي بوصايا مرشدي الحشد الشعبي الذكورية التي تحث على الكراهية وإثارة الصراعات واعتبار رجل الدين السياسي مصدرا لكل حقائق الأرض ووكيل السماء على الأرض.

وحسب عبدالرزاق الدليمي أستاذ الإعلام فإن أحدا لا ينكر دور بعض رجال الدين في حقبات مهمة من تاريخ العراق ومنه دعمهم لثوار العشرين ضد الاحتلال البريطاني، برغم أن هذا الدور لم يكن حاضرا عندما احتلت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق في العام 2003.

أحزاب الإسلام السياسي تعرقل مشروع قانون الحماية من العنف الأسري لدى إحالته إلى رئاسة مجلس النواب لأجل تشريعه وإقراره

ويرى أن مكانة رجل الدين إذا ما اهتزت بالإساءة المقصودة أو غير المقصودة لصاحبها كان ذلك دافعا لحدوث توترات واضطرابات في الأوساط الاجتماعية والدينية غير محمودة العواقب في البلدان المعروفة بتعدديتها الدينية أو المذهبية.

وقال الدليمي “لعل ما يفاقم مخاطر مثل هذه الإساءة حينما تتوجه إلى رجل دين معروف بثقله الكبير في أوساط طائفته فتؤخذ هذه الإساءة على أنها إساءة إلى الطائفة برمتها، سواء قصد مُطلق الإساءة ذلك أم لم يقصده”.

وأضاف “عمليا، رجال الدين هم أنفسهم في كثير من الأحيان يسهمون باهتزاز هيباتهم ومكانتهم في المجتمع بانزلاقهم إلى مناكفات سياسية تنتج عنها تلك التوترات الاجتماعية والدينية، وهذا واضح في العراق بعد سنة الاحتلال 2003”.

وبعد 18 سنة من الخراب الاجتماعي والقيمي، لا بد أن تقف حكومات تستقوي بالميليشيات أمام ظاهرة كالعنف الأسري عاجزة عن تقديم حلّ لها، وهي السبب الأول في بروزها.

إرسال تعليق

0 تعليقات