قصّة : سوران الجزء الثاني

مشاهدات




نسرين ولها أديبة و قاصّة عربية  من تونس



مع حلول السّاعة العاشرة صباحًا، بدأ العدّ التّنازلي للمُهمّة، التّركيز الشّديد مطلوب جدّا، والخطأ مرفوض رفَضًا بتًّا. إنّ المسألة حاسمة ومُتعلّقة بمصائر النّاس ولُقمة عيشهم وسلامتهم الجسديّة وأمنهم القومي، فلا أخذَ ولا عطاءَ هَهُنا أبدًا.

كان عقلُ سوران يتألّق من حين إلى آخر حينما يستحضر الأهداف السّامية التي سيحقّقونها بمشيئة الله و يرى في الأفق القريب بعين بصيرته وطنه يتنفس الصّعداء أخيرًا من الحصار و داء المستعمر الخفيّ على العيان. أنهارٌ من الخيرات ستتدفّق من سواعد الأبطال تجري مجرى روابي البلاد شمالاً و جنوبًا  شرقًا و غربًا، و ذلك كلّه سيتجلّى إن نجحوا في إسقاط الأنظمة المستبدّة.

 عجبًا لأولئك الذين يرون اللّيل ولا يرون ظلام الظلّم !! ليتهم كانوا من فصيلة البُوم، حتّى لا يُسيئوا إلى جنس البشر!!

ركب الضّابط وعساكره سيّارة كبيرة سوداء ذات بلّور مانع للرّصاص وللرّؤية ثمّ اتجهوا إلى مقرّ قلب الفساد. نزلوا بحذر بالغ في حركات جماعيّة خفيفة وتوزّعوا سريعًا في أماكن مختلفة. وبإشارة من يد الكابتن سوران بدأت عمليّة التشويش، إذْ، لا بُدّ من تعطيل جميع أجهزة المتّهمين التكنولوجيّة تحسّبًا لأيّ ردّة فعل عنيفة.

كان المكان شبيهًا بمصنع شاسع، تتخلّله بناية تمتد بقامتها إلى الطّابق السّادس، ولا يخلو من بعض الأشجار العملاقة من الصّفصاف والسّرو التي لا تُزيّن النّاحية فحسب بل وتحجب الأنظار كذلك. ومن يُلقي نظرة خاطفة على المصنع من الداخل يظنّه حديث النّشأة، ولكن لاَ، إنّه فعلاً مصنع يبع الأوهام والهواء، نوع من أنواع التّنويه حتّى لا تُثار الرّيبة على الصّفقات الشّنيعة التي تقام على مكاتب تلك البناية الفاخرة. 

أحيانًا قد يفتعل قائد البلاد الجهل بما يحدث على أرضه من أجل تحيّن الفرصة السّانحة للضّربة القاضية. ومن تُخوّل له نفسه التّلاعب بشؤون الوطن، فإنّ ربّ الوطن "الأعلى" عينه لا تغفل عن دبيب النّمل فيها. وسينصر فقط الذي على سجيّة الحقّ.

ومنذ أن تعطلّت جميع الهواتف الجوالّة، تسرّب الرّعب إلى قلوب الخونة وعلاَ ضجيجهم من وراء نوافذ العمارة. فجأة، خرج رئيسهم على عجل يأمرهم بحراسة الأماكن السّريّة للملفّات التي تشهد على خيانتهم للوطن، عشراتُ العقود إنْ لم تكن بمئاتٍ، بل والآلاف منها، موقّعة من فئات ذات نفوذ أقسمت أمام الناس على حفظ الأمانة بينما كانت قلوبها غير سليمة. ما فائدة القسم إن لم يكن لله وخوفًا من انتهاك حدوده! النّاس لا حول ولا قوّة لهم. وتلك الرّزم من العقود تُقرّ بِبيعهم لخيرات الوطن، لِتعب المواطنين، لأحلامهم، ولأهدافهم السّامية.

لقد تناوب الشّر على حرمة البلاد، وأصبح لِزامًا على كلّ شريفٍ شُجاعٍ أن يقطع دابره.

لحظات فاصلة بين اقتحام سوران وجنوده المكان وبين خروج أجسادٍ ملثّمين بسوادٍ فظٍّ يتفحّصون كل ما يُثير حواسهم وأيديهم ممدودة بأسلحة ناريّة. وما إن تفرّقوا كلّ على حدة حتّى تمتّ الإطاحة بهم والسيطرة عليهم واحدًا تلو الآخر من قبل الأبطال. على الفور، أغلقوا أفواههم بأشرطة لاصقة وقيّدوا أيديهم بسلاسل من حديد وساقوهم عنوة إلى السّيارة. ثمّ عادوا إلى ساحة المعركة من جديد وتوغّلوا أكثر فيها واجتازوا عتبة المبنى وشرعوا يُفتشون غرفها بمنتهى الحذر. 

وما هي إلاّ دقائق حتّى دوّى صوت انفجار فاجع في آذانهم وكادت الجدران تسقط عليهم وتصاعد دخان خانق وكثيف في الجوّ. واستولى الضباب على زرقة السّماء.  فركض سوران بكل ما أوتي من طاقة إلى الخارج، فإذا بالأرضيّة هناك قد تحوّلت إلى شظايا من قطع حديديّة وبشريّة تعود للسّيارة والمعتقلين. لم يخطر بِبال القائد أنّ أولئك الإرهابين يلبسون سترات من قنابل قابلة للانفجار من دون جهاز لاسلكي قد بالغوا في إخفائها، لكن كيف لشخص أن يُضحيّ بنفسه من أجل نوايا خبيثة، من أجل جهنّم، لا شكّ في أنّ الجزاء من صنع العمل، وقد استحقوا الموت على تلك الشّاكلة طالما أنّ سرائرهم مُتعفّنة.

أمّا وقد رفع العدوّ راية التّمرّد فلا مجال للمساومة لا محالة، وفورًا تحوّل سوران للخطّة البديلة وأصبحت العمليّة في غاية الإثارة والمثابرة. وغدت القوّة سيّدة الموقف. وبدأت جولة استعراض الفنون القتاليّة. وفيما كان سوران يفتّش في نواحي البناية ناحيةً تلو الأخرى، لاحظ خلوّها تقريبًا من البشر وتفطّن إلى فرار المجرمين من مخرج الطوارئ أو من باب سريّ ما. لا ريب في ذلك. فاتصل بمركز القيادة وطلب تعزيزات أمنيّة سريعة، وأمر العساكر بالانتشار في أرجاء الحديقة الفسيحة البائسة التي كُتب على أوراقها أن تتساقط بمفعول الدمّار. ولحسن حظّ المُحاربين، تعثّر أحد العابثين بأمن الوطن بحجر ثقيل محشوّ بقطعة حديديّة حادّة تشبه السّيف شيئًا، فاخترقت سرواله الدّاكن ومزّقت طبقة جلده الأولى وامتدّت بلا رحمة إلى أربطة قدمه وأرْدته صريعًا يصيحُ من الألم. يا له من كبش فداء ثمين! وهبته لهم يد القدر الخفيّة والقويّة لمّا حسب العدوّ أنه قد ربح الطّرح، وانقلبت بذلك الموازين على رقعة الشطرنج الحقيقيّة وأخذ كلّ فارس مكانه الطّبيعيّ. ثمّة بُقع على خارطة الحياة لم تُخلق إلاّ لِأهلها وناسها، أمّا الدّخلاء فهم مجرّد بيادق بلاستيكيّة يُمكن الانقلاب عليها في أيّ لحظة سماويّة ليكون النّصر للملك الحكيم وحده.

 بسرعة الريح، هبّ الجنود إلى ذلك المتوجّع وتَحَلّقُوا حوله، فقام أحد العساكر المختصّين في الأمور الطبّية بإخراج القطعة الحادّة من قدمه. ثمّ ثبّت عليها ضمادة كبيرة حتى يتوقف النّزيف. كان من الضروري الإبقاء على حياة ذلك الخائن حتى يُقرّ ببقيّة قائمة الخونة الآخرين وجرائمهم المُقترفة بحقّ الشّعب.

وفي غضون ذلك، كان سوران يقتفي أثر الفّارّين من العدالة رفقة مجموعة من خِيرة عساكره وأكثرهم احترافًا. كانوا سبعة رجال، بل سبعة أسود، من أشجع ما أنجبت أمّهات ذلك الوطن. وحينما دقّ ناقوس الخطر في دماء الأعداء وأدركوا أنه تمّت محاصرتهم بالكامل، شرّعوا أسلحتهم وأخذوا يطلقون الرّصاص بعشوائيّة تفضح ارتباكهم الكبير، ومن يراقب المشهد يحسبه ألعابًا ناريّة بهلوانيّة لا غير. دومًا كان الشرّ مطبوعًا بوصمة الجُبْن، منذ الأزل وإلى الأبد. وكلّ ما يكيده الأشرار يكون في الخفاء خوفًا من عيون الحقّ القاهرة، فكأنّهم يبنون جهنّمهم في الظّلمات، لأنّهم مخلوقات مُعادية لأشعة الشمس وأيّ نور يتسّرب إليهم، قد يبثّ الرّعب في أوصالهم إلى درجة الموت.

" استسلموا ولا تقاوموا! كلّ شبر هنا مراقب وتحت سيطرة قوّات الدّولة، استسلموا أو لن نرحمكم و بئس المصير " كذلك كانت أوتار القائد سوران الصّوتية تشتدّ وتجود بأصعب العبارات الحاسمة. و سرعان ما ردّ صائحًا الرأس المُدبّر للمجرمين أو زعيمهم، على الرّغم من كون الزّعامة كلمة لها وزنها في الميزان المعنوي، فشتّان بين زعامة الفرسان و زعامة القطيع:" يا هذا .. تتوهّم، أنت لم تجرب قوّتنا الكاملة بعد، سوف نتسلّى كثيرا بكم، ستكون دماؤكم وليمتنا لهذه الليلة ههههه" 

ثُمّ جعل يتجشّأ قهقهات مُقرفة بينما يخرج أفراد عصابته من كلّ حدبٍ، مثل الحرباء ألوانهم مختلفة باختلاف أمكنة اختبائهم، يكشّرون عن خبثهم بأسلحتهم النّاريّة وينتظرون على مضض لحظة الانقضاض.

على الفور ضغط سوران على زرٍّ خاصٍّ بشيفرة الخطّة الحازمة وأخذ يُماطلهم ويُحاول كسب الوقت قدر الإمكان لصالحه والإبقاء على حياة كلّ عساكره. كانوا كتلة واحدة بل شُعلة من روح واحدة، يفتحون صدورهم للرّصاص وكلّ ضروب الموت من أجل أن يُرفرف علم بلادهم شامخًا عزيزًا في رحاب السّيادة والحُريّة.

وما لبثوا يقاومون الهجمات المُضادّة حتّى أقبلت الطائرات العسكريّة بهيبتها الهائلة تشقّ عباب الفضاء بأزيزها المُستفزّ للعدوّ وترميهم بشتّى الأسلحة المتاحة للفتك بهم. 

وأخيرًا، نجحت المُهمّة نجاحًا باهرًا وسقط النّظام الفاسد سقطة لا رجعة فيها، وآنَ للأبطال أن يرفعوا رؤوسهم فخرًا بما قدّموه من تضحيات جسيمة لفداء الوطن. إنّ كلّ قطرة عرق تُصرف في سبيل الإنسانيّة تُشبه الغيث النّافع، حديث العهد بربّه، مُبارك، ويُحيي الأرض بعد موتها؛ فما بالك بدماء الشّهداء.

إرسال تعليق

0 تعليقات