تونس.. حتى لا يذهب الجمل بما حمل

مشاهدات



الحبيب الأسود


مشكلة تونس أن ديمقراطيتها جاءت قبل الأوان وفي ظل وضع إقليمي معقد يعيش على وقع صراعات هوية واختارت لنفسها وعلى مقاس النهضة نظاما سياسيا عقيما ينتج الأزمات ولا ينجب الحلول.

انتقال ديمقراطي لا يزال يراوح مكانه

الوضع في تونس ليس على ما يرام. هذا ليس كلام المعارضين والحاسدين أو الصائدين في المياه العكرة أو وسائل الإعلام المتآمرة على التجربة الديمقراطية، وإنما باعتراف كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الدولة ورئيس الحكومة وأعضاء البرلمان والمنظمات الوطنية، وهناك تحذير من نذر انهيار الدولة، وتمزق النسيج الاجتماعي.

بعد أيام قليلة يفترض أن يحيي التونسيون الذكرى العاشرة للانتفاضة، التي انطلقت من سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010، وأطاحت بنظام بن علي في 14 يناير 2011.

عشر سنوات مرت على بداية الانتقال الديمقراطي، الذي لا يزال يراوح مكانه، وعلى التحول السياسي الذي لم يستطع أن يغيّر حياة الناس إلا إلى الأسوأ؛ فنسب الفقر والأمية والتضخم والمديونية والبطالة والفساد والتفاوت بين الجهات والعجز المالي والتراجع الاقتصادي والتأزم الاجتماعي ارتفعت بشكل غير مسبوق، حتى لا يكاد يوجد مؤشر واحد قد تحسّن باستثناء حرية الصراخ والاحتجاج والصراع على السلطة.

وما حدث في البرلمان التونسي خلال الأيام الماضية، يمكن أن يختصر الوضع العام، عندما تشابك النواب وتسابّوا وتضاربوا، و”تدافعوا”، وفق توصيف راشد الغنوشي، نتيجة ظهور موجة تشدد ديني جديدة تحت قبة المجلس، يتزعمها ائتلاف يقف على يمين حركة النهضة، ولا يمارس مناوراتها في ترتيب الأولويات، وإنما يذهب إلى أهدافه مباشرة بخطاب سلفي إخواني أقرب إلى الحركة السرورية؛ خاصة في عدوانيته المعلنة نحو الدولة الوطنية ورموزها والمجتمع والمرأة والاتحاد العام التونسي للشغل والقوى التقدمية والعلمانية ولمفاهيم الحداثة والمدنية.

بعض قصار النظر، يعتقد أن المسألة مرتبطة بأعضاء كتلة هذا الائتلاف في البرلمان، في حين أن هناك مشكلة أكبر، وهي أن لهذا التيار مناصرون في الشارع، يتزايد عددهم باستمرار؛ أغلبهم لا يعترف بالدولة ولا بالدستور ولا بالقانون، إلا بما يستجيب لأهدافه، ويمتلك القدرة، في ظل ديمقراطية الفوضى، على تكفير وتخوين وشيطنة كل من يعتقد أنه يمثل خطرا على مشروعه.

ويرى نواب الائتلاف أن في تصعيد الخطاب أفضل وسيلة للفرز، وفي رفع سقف المطالب دغدغة لمشاعر نسبة كبيرة من التونسيين، وكسب ودهم، وأن إظهار القوة والنزوع إلى البطش والبلطجة يزيد من رصيدهم الانتخابي، في ظل وضع متشنج ينتج مواطنين ميالين إلى العنف، وخاصة عندما يكون مشرعنا بمنطق الفهم الإخواني للدين، وبتلك الممارسات العدوانية تحت قبة البرلمان.

وعندما يتجرأ رئيس الائتلاف المذكور على رئيس الدولة، ويقول إنه لا يستحق الاحترام، وأنه ليس رئيسه ولا رئيسا لكل التونسيين، فنحن أمام التوصيف الحقيقي لما يجري في البلاد، من حيث استحضار نماذج الفوضى الخلاقة، عبر التمرد المفضوح على أساسيات الدولة، والتعدي على مؤسساتها والتشكيك فيها وضرب مكاسبها التاريخية، وفرض الاحتجاجات والاعتصام كأداة لافتكاك المصالح، وتشكيل التنسيقيات في استحضار للنموذج السوري، والدفع نحو تنازع الهيمنة على الثروات استحضارا للنموذج الليبي، وتقسيم المجتمع من خلال إثارة نعرات محلية ومناطقية وقبلية وفئوية وأخلاقية وتاريخية وثقافية.

إذا اجتمع التطرف والهوس الديني والخرافة مع الفقر والكسل واستضعاف الدولة واستيراد صراعات الهوية الجاهزة من الخارج، ذهب الجمل بما حمل، وهذا ما لا يرضاه أي وطني تونسي لوطنه

والواقع أن ما يجري في تونس، منذ سنوات، أزف موسم حصاده الآن. بعد عشر سنوات، يمكن الحديث عن تغلغل تام من قبل التيار الديني في مفاصل الدولة، وفي مؤسساتها الإعلامية والتعليمية والقضائية والأمنية والمصرفية والاقتصادية وفي منظومة المنظمات والأحزاب والجمعيات والمساجد وصولا إلى البرلمان.

يمكن الحديث اليوم عن مجتمع مواز تم تشكيله بدهاء كبير، وهو غير قابل للاختراق بسهولة، وتبدو عيونه على أنقرة أكثر من تونس، وعلى أردوغان أكثر من قيس سعيد، ونظرته إلى المستقبل لا يمكن فصلها عن مشروع الإسلام السياسي في المنطقة، ومشكلته الأساسية كيف يستطيع تفكيك الدولة والانقضاض عليها نهائيا لإعادة بنائها بالشكل الذي يراه مناسبا.

ويبدو واضحا أن هذا التيار أصبح أقرب إلى ائتلاف الكرامة الذي سيفاجئ الجميع بعد سنوات قليلة، بأنه قد أطاح بالزعماء التاريخيين والقيادات الحالية لحركة النهضة، ممن نراهم اليوم يبررون عدوانيته، وأنه استولى على الخطاب الديني في البلاد، كونه المعبّر الأكثر وضوحا عن المشروع الإخواني، والأقدر على إدارة الصدامات وعلى إشباع غرائز المتشددين بالعنف اللفظي وحتى الجسدي، ومن يتابع صفحات التواصل الاجتماعي في تونس سيكتشف مدى المساندة التي يحظى بها الائتلاف وخاصة بعد حركاته الأخيرة.

مشكلة تونس، أن ديمقراطيتها الناشئة جاءت قبل الأوان، وفي ظل وضع إقليمي معقد، يعيش على وقع صراعات هوية، عرقية وطائفية، وأنها اختارت لنفسها، وعلى مقاس النهضة، نظاما سياسيا عقيما ينتج الأزمات ولا ينجب الحلول، وقانونا انتخابيا لا يحقق أغلبية برلمانية قادرة على تحمل مسؤولية الحكم، وسارت في طريق فوضى الأحزاب والجمعيات برقابة غير فاعلة.

فوق كل ذلك، استسلمت تونس للخوف من أن المساس بأي طرف قد يدفع إلى حرب أهلية، مثلما يكرّر الإخوان وحلفاؤهم، حتى أصبحت عاجزة عن محاسبة من وصفهم الرئيس قيس سعيد بالمجرمين الذي يعملون على تهاوي الدولة.

كما أن أم المشاكل، أن الفرد إذا أخطأ سيجد سريعا من يضبطه ويقاضيه ويدفع به الى السجن، ولكن إذا تخفى بين مئات أو آلاف، وفي أي سياق من السياقات، فإنه سيجد من يفتح معه باب الحوار، ويحقق له أهدافه أو يتغاضى عن جرائمه، وهذا ما زاد من ظاهرة التطاول على الدولة، ومن الاعتداء على رموزها السيادية وعلى تاريخها وثوابتها.

كان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة يرى أن النّظام الديمقراطي لا ينجح إلاّ مع الشعوب النّاضجة، التي تستطيع تمييز الغث من السّمين. وأن الديمقراطيّة، مثلها مثل جهاز آلي دقيق، لا يحسن أن يعهد به إلاّ لذوي الخبرة والمعرفة وإلاّ انقلب وبالا. وكان معارضوه يرون أن في ذلك حجة عليه وليست له. لكن جانبا كبيرا منهم اليوم يرون أنه كان على صواب.

إذا اجتمع التطرف والهوس الديني والخرافة مع الفقر والكسل واستضعاف الدولة واستيراد صراعات الهوية الجاهزة من الخارج، ذهب الجمل بما حمل، وهذا ما لا يرضاه أي وطني تونسي لوطنه.

إرسال تعليق

0 تعليقات