خامنئي يزرع ونتنياهو يقطع

مشاهدات



إبراهيم الزبيدي


كم فقدت إيران من رجالها ونسائها، وكم دفن العراقيون والسوريون واللبنانيون واليمنيون والفلسطينيون من أبنائهم الذين اغتالهم جواسيس الحرس الثوري بكواتم الميليشيات التي يحارب خامنئي أعداءه بدمائهم وكرامة أوطانهم.

الإيرانيون يدفعون ثمن معارك خامنئي الخائبة

إيران ليست ملة واحدة لكي يهبَّ كل مواطن إيراني لنجدة حكومته في حروبها وأزماتها. وحتى لو كان داخل ملته الواحدة موالون ومعارضون للحكومة، فإن النعرة القومية أو المذهبية أو الدينية قد تجعل قسما كبيرا منهم يؤجل خلافه معها، في حالات الضيق، وينهض لعونها وحمايتها وليشدَّ من أزرها.

ولكن الواقع المُثبت بالوقائع والتواريخ يؤكد أن إيران هي أكثر من إيران واحدة، وأن شعبها أكثر من شعب واحد، ومن الصعوبة البالغة أن تتمكن حكومةٌ تمثل مذهبا واحدا وقومية واحدة ودينا واحدا من إرغام الآخرين على تأييدها ونصرتها، حتى لو كانت مظلومة لا ظالمة.

والنظام الحاكم في إيران، منذ أن أقدم الخميني على الغدر بالأحزاب الإيرانية الشيعية الفارسية التي عاونته على قلب نظام الشاه، في أول ثورته الإسلامية الحامية، كان وما زال يفتك بأبناء طائفته وقوميته، مثلما يقمع أبناء القوميات والمذاهب والأديان الأخرى ويسكتها بالنار والحديد.

وفي كثير من الحالات تمردت عليه شعوبٌ إيرانية متنوعة، وتظاهرت واعتصمت واتهمته بالتفريط بأمنها ورزقها وكرامتها وحريتها من أجل بناء إمبراطورية فارسية شيعية لا تعني أحدا منها بشيء.

وهذا هو موطن الخلل في طبيعة النظام الحاكم في إيران، وهي نقطة ضعفه والثغرة الخطيرة التي قد يتسلل منها أعداؤه الخارجيون، دون أن يتعظ ويتنازل، ولو قليلا، عن غلوائه وعنجهيته وحروبه الخارجية والداخلية معا، والتي لم تحقق، ولن تحقق له ما يريد.

ونفس هذه الحقيقة غابت عن صدام حسين، بالأمس، ولم يُعرها اهتماما، الأمر الذي وسَّع عليه دوائر الناقمين العراقيين في الداخل، وجمَّع عليه الناقمين العراقيين في الخارج، فصار معارضوه هم الفئران التي أكلت صخور مأربه، وعجلت بانهيار سده، وشنقه، في أسهل ما يكون، وأسرع ما يكون.

ومنذ العام 1979، وهو عام سقوط الشاه وهبوط الخميني على أرض مطار طهران، والحكم الديني الطائفي العنصري الإيراني (وهذه ليست شتيمة) موغلٌ في تحدي شعوبه الأخرى في الداخل الإيراني، وسادر في تدخلاته وغزواته الخارجية، بادئا بالعراق، وعابرا إلى سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، وما زال حاملا خناجره وسيوفه ورماحه ويقاتل كل من يرفض احتلاله من عرب ومسلمين وأوروبيين وأميركيين، دون هوادة.

ويصعب حتى على أكثر أجهزة الكمبيوتر كفاءةً إعطاءُ أرقام صحيحة ودقيقة عن الذين ماتوا شنقا أو حرقا أو جوعا أو مرضا في إيران ذاتها، أو الذين قضوا تحت جنازير دباباته وبصواريخ طائراته ورصاص ميليشياته في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ناهيك عن تفجيراته الإرهابية في عواصم عربية وأجنبية عديدة لا تحصى.

فكم فقدت إيران من رجالها ونسائها، وكم دفن العراقيون والسوريون واللبنانيون واليمنيون والفلسطينيون من أبنائهم الذين اغتالهم جواسيس الحرس الثوري وقاسم سليماني وإسماعيل قاآني بكواتم الميليشيات التي يحارب خامنئي أعداءه بدمائهم وأرزاقهم وكرامة أوطانهم وحريتها التي ينتهكها كل ساعة وكل يوم؟

وفي كل عام وكل شهر، وأحيانا في كل أسبوع وكل يوم، يتلقى الإهانة بعد الإهانة، وتَدكُّ أوكارَ حرسه الثوري في سوريا والعراق طائراتٌ مجهولة معلومة، وتقتل العشرات، وأحيانا المئات من جنوده وضباطه ولا يرد، ولا يتعض فيحمل عصاه ويرحل ويريح ويستريح.

وآخر أخبار حصاد نتنياهو لما يزرعه خامنئي في سوريا والعراق أن غارات إسرائيلية على مخازن أسلحة ومواقع عسكرية في شرق سوريا يوم الأربعاء الماضي، فقط، قتلت 57 على الأقل من قواته ومن المجموعات الموالية له.

وقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن قصفا إسرائيليا مكثفا استهدف المنطقة الممتدة من مدينة الزور إلى بادية البوكمال عند الحدود السورية – العراقية، ودمر مستودعات سلاح وذخيرة، ومعسكراً في أطراف مدينة دير الزور، ومواقع عسكرية في بادية البوكمال، وأخرى في بادية الميادين، تابعة لكل من قوات النظام السوري وحزب الله اللبناني والقوات الإيرانية والمجموعات الموالية لها.

وقال الجيش الإسرائيلي قبل أسبوعين في تقريره السنوي إنّه قصف خلال العام 2020 حوالي 50 هدفاً في سوريا، من دون أن يقدّم تفاصيل عن الأهداف التي قصفت.

وتعهدت إسرائيل مراراً بمواصلة عملياتها في سوريا حتى انسحاب إيران منها. وكرّر نتنياهو عزمه “وبشكل مطلق على منع إيران من ترسيخ وجودها العسكري عند حدودنا المباشرة”.

وإذا كان العام الماضي قد ابتدأ باصطياد الطيران الأميركي المسير أهم قائد عسكري إيراني في مطار بغداد، قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي أبومهدي المهندس، ومعهما آخرون، فقد انتهى بقيام إسرائيل، وباعتراف النظام الإيراني نفسه، باغتيال أكبر رأس في البرنامج النووي الإيراني، فخري زادة، دون أن يجرؤ النظام على فعل شيء، مكتفيا بالتهديد بأنه سينتقم في الوقت المناسب، وها نحن منتظرون.

أما العقوبات الخانقة المتلاحقة التي تفرضها الولايات المتحدة على أجهزة النظام وقادته العسكريين والمدنيين، وعلى كبار قادة ميليشياته، فتلك حكاية لا تنتهي. فهي قد اقتربت من حرمان النظام الإيراني من بيع نفطه الذي لا يملك مصدرَ دخلٍ قومي غيره، وهو مستسلم، ولا حياة لمن تنادي.

شيء آخر، لقد دأب النظام على أن يلوذ بالصمت المعيب حول نشاط الطيران الأميركي والإسرائيلي في أجوائه الإيرانية، ذاتها، وفوق ملاجئ حرسه الثوري في سوريا والعراق. ناهيك عن أرتال عسكرية أميركية تتجول أو تتمركز على الحدود السورية مع العراق لقطع الطريق على الأرتال العسكرية الإيرانية التي اعتادت على العبور الحر ذهابا وإيابا من إيران إلى سوريا ولبنان عن طريق العراق.

ونسأل، هل هناك ذلٌ أكبر من هذا الذل؟ ولمَ وعلامَ هذا العناد والإصرار على الدفع بالعشرات والمئات من الإيرانيين والعراقيين إلى القتل هنا وهناك؟

ولمَ وعلامَ هذا الهدر الجنوني للأموال الإيرانية والعراقية على شراء أو صناعة حديد يعلم النظام قبل غيره، وأكثر من غيره، بأنه سيتحول غدا أو بعد غد إلى تراب؟

ماذا هناك في عقل خامنئي ومعاونيه؟ هل هم يتوهمون فعلا بأنهم قد ينتصرون على أعدائهم الذين أصبحوا أكثر من الهمّ على القلب، ومن كل حدب وصوب، ومن كل ملة وطائفة ودين؟

ألا يصحو، ولو أخيرا، وقبل فوات الأوان، فيكتفي بما أراق من دماء وما نشر من بؤس وشقاء، وما خلف من مقابر، وما أهدر من مال؟

والأكثر عجبا ودهشة أن كثيرين من كتابه ومحلليه ومعلقيه الإذاعيين والصحافيين والتلفزيونيين، برغم كل هذه المعارك الخائبة، ما زالوا يصفونه بالدهاء، وهو الغبي الذي تعدى غباؤه جميع الحدود.

كاتب عراقي

إرسال تعليق

0 تعليقات