الناقد عبدالباري المالكي” محمد حسين آل ياسين ..انساناً وشاعراً

مشاهدات





يُعَدّ شاعر الأمة الكبير (آل ياسين ) من جيل الستينيات ، وهو جيل يَعدّه النقاد والادباء جيلاً مغايراً ، سعىٰ الى الخروج من الشعر التقليدي الى الحداثة الشعرية التي تفتقت في جميع مجالات الشعر .


فقد صدر لشاعرنا اول ديوان عام ١٩٦٦م بعنوان (نبضات قلب) ، ومن الامتيازات التي امتاز بها هذا الديوان انه يعتبر اول ديوان قد صدر في عقد الستينيات ، ولم يكن قد صدر في ذلك العقد ديوان قبله لأي شاعر آخر ، وهذه ميزة تضاف الى مميزات شاعرنا الكبير التي تبدأ ولاتنتهي ، ثم تلاه ديوانه الثاني


( الأمل الظمآن) عام ١٩٦٨م ، ثم ديوان (قنديل في العاصفة) عام ١٩٧٥م ثم ديوانه (مملكة الحرف) عام ١٩٧٩م ، وغيرها من الدواوين الشعرية الكبيرة .



اذ يُعتبر شاعرنا الكبير (آل ياسين ) واحداً من اعمدة الأدب والشعر على مر التاريخ العربي ، فقد كتب شاعرنا قصائده العمودية وذات التفعيلة بايقاعية موسيقية تضمنت تحديثات داخلية للمعنى والتركيب الصوري ، عبّر من خلال حساسيته الشعرية ووجدانه الداخلي ماأوحى له انه خُلق للشعر وحسب ، فكان صفاء وجدانه تنصيصاً عما يترشح عنه من رؤى شعرية لأنه خفق الروح ولحظة الانفعال ورعشة الوجدان ، حتى استحالت عليه الصناعة التكلفية للاحاسيس ، فالصناعة اللفظية الخالية من ذلك الخفق والانفعال هي بمثابة تقرير مباشر لايلبث ان يخرج من قائمة الشعر .


اننا حين نقرأ لشاعرنا هذين البيتين ونتفحص اغوارهما فاننا نرى وجداناً متدفقاً ، وصفاء سارياً من قلب تهجد بصدق الانفعال :-


هانت على الناس قبل اليوم موهبتي


اانتِ والناس ياحمّىٰ على ألقي


لم يبق لي الدهر في عمري سوى رمقٍ


ولم ازل رغم دهري صامد الرمقِ



فتعترض مشاعرنا جملة من التأثيرات الانسانية وهي تتناثر على جانبي هذين البيتين لتكون منهجاً للدارسين وطلاب الشعر ، وهما يلخصان حقيقة حياة شاعرنا إنساناً قبل ان يكون شاعراً ، بما فيها من ابواب شرعت له أو اقفلت ، وهو لايجد نفسه الا في قصائده ذات البوح والانين والشكوى والتفجر العاطفي ، ذلك الشعور الذي ماان انتهى بالالم حتى تفتَحت له ابواب سمائه الشعرية على مصراعيها من خلال انفعالاته الصادقة التي يرى نفسه مضطرا لمعالجتها ، وساعياً لإنمائها :-



غريبا اضيع بليل المدينة ْ


والريح تمطرني انجماً من ظلامْ


أمد يدي اتلمس فيها بريقا كأني به لؤلؤةْ


وماهي الا نيازك أهوت على جبهتي مطفأةْ



ماجعله يربط افكاره وعواطفه النبيلة بماهو اكثر شمولاً واتساعاً من شخصية( انسان) ليتعداها الى شخصية (شاعر) ، تندمجان بحقيقة واحدة هي ... محمد حسين آل ياسين :-



وجسمي يبرعم الف ذراع


يطول الى الافق عند حدود الوطنْ



لقد نشأ شاعرنا في واحة من ألقٍ متوارٍ وراء زمنه الذي لايكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد ، حيث تتطلع مشاعره لأمل رغم الأسى القسري الذي ظلّلت سحائبُه اجواءَ شاعرنا سواداً لوّنَه ، وقلقاً ساوره ، وحيرة استبدته ، وكآبة استهوته ، وحزناً حواه ، ورغبة جامحة امتلكته للخلاص من واقع مشؤوم ومشحون بالاضطراب ، وكأنه كان مقدّراً له ان لا ملجأ له الا خفق الروح ورعشة الوجدان متخطياً لحظات الاحباط والانتظار والخيبة الى مستوى الإجادة والإبداع :-



فأعدو وكفي على مقلتي من الخوف في طرقات الزحام ْ


زحام الهياكل والجن والصور الراعشات 


وكف تلوح في المستحيل الى الشمس 


في واحة الالق المتواري وراء الزمن 



وكما نقرأ له :-



وهل اذا خان مضمار بفارسه


يحلو السرى ولياليه لمنطلقِ 


ركبت حلمي ولم اعثر به فاذا


بالحلم يهزا من تيهي ومن طرقي


حسبي يد لم تفارق رغم رعشتها 


يراعتي وفم ارويه من عرقي


ودون حكمك من خيلي العتاق هنا 


قصيدة فعلى القرطاس مستبقي 


وناثرت من دثاري كل اشرعتي 


حتى ارى بين جفني والرؤى أفقي



فلم تختلف مشاعره هنا عن مشاعره وهو يضع بصمته في الشهيد ، اذ ليس من العسير معرفة مايختلج ذاته من خط شعري أنتجه ، وقلب تأمله ، ورؤية غاص بها الى اعماق قصيدة لم تستوعب الا الشهيد بجميع مااحتوته هذه الكلمة من معنى روائي او نقلي في ظل فرد استحال الى (كلّ ) ، فاحال الجرح الصارخ الى ابجدية لتجربة شعرية ناضجة وأدوات أطلقها عنادل وبلابل ، وأحال ثغره الى ابداع حِرَفيّ استحق القراءة والتأمل لما فيها من حس شعري عالٍ ، وانسانية نبيلة عززت بقاء الشهيد وديمومته :-



ستظل وحدك في القصيدة قائلا


واظل عنك الى رواتك ناقلا


ويظل جرحك صارخا في احرف 


اطلقتهنّ عنادلاً وبلابلا 


أرأيت ثغرك كيف يبدع صمته 


في كل ثغر شهقة وهلاهلا


اني عهدتك في الشدائد باذلاً


ابداً ، فكن لي عند يومك باذلا


....................................


اننا نعلم جيدا ان الاتجاه الرومانسي هو الغالب على نتاجات شعرائنا وعلى اذواق الجماهير القارئة لهم , فلم تخلُ قصائد شاعرنا الكبير آل ياسين (كأي شاعر اخر) من حب مفعم لأمراة كان لها الأثر الواضح في قصائده حتى بدا ذلك فيها كما تبدو في رؤية العين واحساس القلب وهي حيرة باقية وقلق دائم وفراغ اشبعَه روحياً ، حتى باتت حياته روضة َعشق غناء رصدتها مشاعره رصداً دقيقاً لا انحراف فيه لوجود (رباب ) او مايمثلها بصبغة ادبية للونٍ رومانسي ... وآخر واقعي .


وهذا الشعور يشير الى ان تلك الرومانسية هي من انصع اشكالها واكبر ظواهرها , اذ ليس امامنا غير حقيقة واحدة هي ان الأمل ودواعي الغرام هي انعكاس مباشر لنتاجاته الفكرية , فاستغراقه في الهوى وخلود قلمه في بطون قرطاسه يعني ان ثمة شعوراً متبلوراً يدعوه الى الكتابة ويحضه على الأمل القادم وعدم الاستسلام لليأس في نفسه العاشقة التي اوجدت المفتاح لعلاج ذلك اليأس الذي قد يصيب اي شاعر في اي فترة من فترات عشقه وهواه .


فاذا كانت رباب سبباً مقنعاً لابداع شاعرنا رومانسياً فان ثمة اسباباً اخرى تدعو لأن يكون شاعرنا ذا حظ عظيم من الابداع وهي الرقة والشاعرية التي جعلته يقف امام نافذة مفتوحة على هذا الفصل من الحياة , ماجعلته اصلب عوداً واشد ذكاء واكثر اتقاناً للصور الشعرية.


لقد اصبح قلقه الحائر يحتدم ويضطرم كثيراً امام طوفان من الشعور المتدفق والمترابط في سلسلة من الاحزان التي اوصلته للابداع فازدانت قوافيه الموجهة الى لوحة رحيل وفراق لترسم من خلاله مشهداً حزيناً لم يُعرف له مثيل , ذلك المشهد الذي لم يتح لشاعرنا القيام برحلته الحالمة على مطيّة خيالاته الواسعة , رغم قوة الإقناع فيه , ودلالة النبوغ , وازدحام العوامل المؤثرة فيه , والقدرة على رفع الحجب الكثيفة ... ناهيك عن حجة الهوى والهيام , فلم تبهت صورة التلاقي في واقعه حتى ارتفع عنده صوت الفراق بأبجدياته الادبية الواقعية المتنقلة من الحلم الى الحقيقة .


ولطالما كانت حياة شاعرنا مليئة بالارهاق النفسي الذي طاف به هنا وهناك فافضى به الى ساحة ارتفعت به الى احلام لابراج انتصبت في تربة طينية , ولطالما كان ذلك بالنسبة له اشبه بقارب متلون يسبح في امواج عاتية , ولطالما كان هناك ثمة درب ينفتح امام نوافذ قلقه , تتراكم عنده سحب تغسل همومه واوهامه التي جثمت على صدره بقطرات مطر لامتناهية تحمل في طياتها رائحة زكية طاهرة منبعثة من فؤاد متفائل وممزوجة بالحلم الناعس والأمل الحاضر يأوي الى ظله مرتاحاً اليه, وتبعث تلك الرائحة في نفسه قدرا كبيرا من الراحة .


وتمر عليه لحظات تتبادر فيها الى ذهنه اسئلة وافكار مختلفة يصغي اليها ولايبلغها الا صوته المتوسل ، فكان لابد له ان يجاهد الملل ويطلب الحقيقة  ويقاوم الحياة التي قوضت احلامه وهو يشعر انه رهين الحزن الأبدي دون ان يكون هنالك امل يرتجى .


فهو بحاجة دائماً الى تغيير واجابات مقنعة لذاته التي تملي عليه كل تلك الاسئلة التي قطّعت نياط قلبه واستدعته لأن يتقبلها ببعض العلل ...



فتشتعل جذوته , ويلوّح بعدم القبول والرضا في ان يكتفي بمراقبة نفسه فقط بينما هو يحمل رغبة التغيير ثائراً على ايامه التي اتسمت بالانهيار تارة , والثبات تارة اخرى , ايامه التي جعلته يترنح كثيرا حتى كاد ان يسقط على الارض ... كقُفّةٍ من طين .  



سؤال يلحّ على خاطري  


وما اضيق الفكر امّا سألْ 


أأبقى رهين الأسى معتقلْ


أحلّ مع المشتكى اين حلْ


مللتُ حياتي وايـــــــامها 


واقتَلُ ما في الحياة المللْ


فلا غائب من هنا كي اعيـــــــــش 


عليه ولا قادم يقتبلْ



 لماذا تعيش وفيم الحياة وكيف اموت ؟ وأنّى ؟ وهلْ ؟ 


وقد كنت قبلاً اعلل نفسي وقد تقنع المرءَ بعضُ العللْ

إرسال تعليق

0 تعليقات