جواد الحطاب... السخرية اللاذعة في النص الشعري

مشاهدات



سعد الدغمان


لكل تجربة فنية  خواصها، وهي نتاج لعواملها التي تحيط بالمعنى. أما وعي الشاعر فهو مناظر لما ينتج عن استدراكه لما حوله، فالنتاج الشعري لأي شاعر قد يختلف حسب المراحل التي عاشها، وما كتبه اليوم قد لايتوافق مع تجاربه اللاحقة ربما، لأنه ( أي الشاعر) كان يعيش تجربة آنية في حينها بمداركها وتجلياتها.

ومراحل القصيدة في كل تجديداتها البنائية، تطرح تحولاتها الفنية وانشغالاتها في إطار الشكل الشعري، وهي ميزة أساسية إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن النص الشعر بإشكاليته يعد تأويلاً لما يختلج في ذهنية الشاعر لحظة انبلاج الإشكالية الوجودية للفكرة العامة للقصيدة.

 والقصيدة ببنائها تعتمد على الثوابت المعهودة والمطروحة، إلاّ أنَّ الوظيفة التجديدية التي تطرحها بعض التجارب الخاصة تشكل انبثاقا لرؤيا مناهضة للتحول المادي الذي يعيشه العالم، والمسألة هنا لا تتحدد بإطار ضيق كقراءة أدبية، إنما حول  "إشكالية الواقع"  وكيف نتجاوزها بقراءتنا لما نسميه بـ(النص الشعري).

عدم اللامبالاة التي كرسها الحطاب عبر  فضاءه الشعري الذي اشتغل عليه ليكرس ما يجري، أو من الواقع المعاش بمزيد من المعاناة ، ولأن (الاعتقال) بات يشكل حدثا غير ذات أهمية حسب الصورة التي يرسمها ( جواد الحطاب ) في قصيدته ( ومن يأبه) ، فقد استفتح نصه الشعري ب (السخرية) إن جاز لنا أن نقول، وهي عملية اعتراض عما كان يجري من تعاملات تصدر من جهات تمثل السلطة، ولعدم القدرة على المواجهة أو الإعتراض فقد ذهب الحطاب لإيراد صيغته الإعتراضية بصغية ماذكرنا. فمن ذا الذي يختار يوم سجنه ووقته ، ليقول جواد في مستهل قصيدته، ليُبقي بعض نهايات أبياته مفتوحه ( حتى إني أوشكت أن...) ، وبالتخيل ترك جواد المجال مفتوحا أمام القارئ ليورد تصوراته عما كان يدور في ذهن الشاعر.


ما كان عليّ أن أسجن في يوم كهذا

اعتقدت – في البدء – إن الشرطة جاءوا لإلقاء التحية

حتى إني أوشكت أن ..

لكنّ اللحظة التي رأيت فيها المفرزة، ايقنت انهم جاءوني لإلقاء القبض

مع اني اوشكت ان ..، وحسنا فعلت الشرطة

وان كنت غير مهيّأ لأن اسجن في يوم كهذا


ودائما مايذهب جواد الحطاب لأن تكون البنية الظاهرة لقصيدته مكتملة الأركان، فهو يورد صوره الشعرية متقنة عبر تشكيلته البصرية، ويعمد أيضا أن يكون تناسب الوزن مع القافية هو الميزة الظاهرة في قصيدته ، وأن لايترك للنقاد فرصة لتسجيل أي إشارة على البنية الفنية للقصيدة بشكل عام ، وهذه حرفة متقنة ودقيقة يمتاز بها جواد كشاعر يقتن الصنعة الشعرية، وبقراءة القصيدة بتمعن نجد أن البنية الفنية متوافقة مع الشكلية التي يظهر فيها الإيقاع الداخلي، لتشكيل  البنية المضمرة التي توضح المعنى بصورة أدق وأعمق.

لم أجد التاريخ، بكتاب القبض عليّ

وشاورني الضابط : انه أشبه ما يكون بيوم كهذا

وحسنا فعل الضابط، فأنا لا آبه بالأيام كثيرا، وأوشكتُ

حين توقفت المفرزة بأمر الإلقاء

 كان كتابي: من دون فوارز، ونقاط، وهزيل الديباجة

الا ان الضابط شاورني “ومن يأبه” ..

وحسنا فعل بالتأكيد

فالفارزة ستذكّرني بـ”المفرزة” والنقاط بـ”نقطة التفتيش”


 استطاع الحطاب أن يعمل على تطييع اللغة للمفهوم الشامل للقصيدة ليشكل انطباعات الشاعر التي تصورها ذهنيتة المنفتحة، وليذهب حيث اكتمال النص مفهوما ومعنى بإدراج ما يسوغ وجود واستخدام البناء التوافقي في النص ، ولتطبع  عناصر البناء البنية العامة للقصيدة بطابعها، فيما ذهب جواد لغستخدام البناء التوالدي في أبياته ليورد ذلك النمط من صيغ الإعتراض عبر السخرية الهادفة ، الواضحة المعنى، بحيث لاتستهجن كمنطق ، ولاتغيب معانيها عن ذهنية القارئ.


اشكالية الوصول عبر التجربة الشعرية، (البحث) هي السمة العامة للقصيدة ، التي جاء بها الحطاب معتمدا أسلوب "الوصف " لتحمل الكثير من الصور الذهنية الناطقة بما وفره النص من أسئلة ضمنية تبحث عن الخلاص، أبيات حملت بشعور التوجس الذي شاع وتسلط على حقب عديدة مرت بها البلاد وأتسمت بها ، أراد جواد أن يوصلها بسخرية من ذلك الواقع .

ومع إنّيَ أوشكت أن أنهض

فحين تأتيك الشرطة بنهار من غير ملامح

وقيود دايت

فهذا يعني إنك صرت مهمّا

والشرطة صارت جزءا من مقتنياتك

لكن الضابط شاورني: ومن يأبه


ذهب الحطاب أيضا إلى استخدام التكرار في الكثير من جمله التي كانت دالة معبرة، ليصل من خلال دقة استخدامها إلى التوازن في الطرح ليوصل عبرها المعنى، ربما كانت قصيدة ( ومن يأبه) تختلف عن مثيلاتها سواء كان عند جواد من خلال أسلوبه الذي يطرح فيه معان ماتحمل قصائده، أو حتى أسلافه من شعراء جيله، فالحطاب لايداخل المعنى بالغموض ، ولاتحمل أبياته معان مغايرة لما يقصد، ويترك حرية التخيل للقارئ ليذهب بذهنه حتى أبعد نقطة تصور يصلها تفاعلا مع الحدث.

جواد الحطاب بصيغة ( من يأبه) جعل كل شيء قابل للسخرية من تلك الممارسات التي سادت ، وأخذت حيزا غير قليل ، وربما جسدت في العهود  التي تلت ممارسات أفضع وأبشع مما سجل الحطاب بأبيات ( ومن يأبه)، جاء الحطاب بعناصر مكتملة تثري النص الشعري ، وهي ليست جديدة على ( جواد) فهو من الشعراء المبدعين العارفين بخبايا المنهج الشعري وبواطنه، لذا لانثني عليه إن جاء بإبداع جديد، ذلك منهج عهدناه منه من قبل ، بل عرفنا جواد كونه مبدع وشاعر لايقف إلا في المقدمة.

ومن تلك الصفات جاء نصه مكتملا متماسكا لاخلل في بنيته الداخلية، نجح وبدقة بعرض الخصائص الداخلية لقصيدته ، فجاءت المعاني شاملة واضحة دقيقة، كما نجح وبإمتياز بإيصال الغرض من أبياته التي أحتوتها القصيدة لتتربع كلماته في ذهن القارئ  عبر ما ضمن نتاجه من توصيف فني رائع جسد فيه جودة الصنعة ودقة الإحساس ووضوح الفكرة. 

كنت أفكّر بالهجرة لليونان..

بزوربا..

بمساءات راقصة، ووجوه كاملة الدسم

وحين الشرطة جاءتني بقيود دايت

قلت لنفسي: حسنا فعلت

فأنا يقلقني دوار البحر

وانتوني كوين، لم يتعر في ساحل “ايجة”

ما كان بأمر القاء القبض عليّ أيّ اسم

وشاورني الضابط، من يأبه بخواء بشريّ

أتظنّ الأسماء ستعترض الشرطة ؟!!

الأسماء بلا معنى..

فكّرت ..

الأسماء ضرورية للرخام

وكدت أسأل: هل ستضعون على شاهدتي رقما ؟!!

ومن يأبه، سيقول الضابط

حتى ان الشرطة كانوا مبتهجين، وعزفوا لحنا سوقيا

هرّبني من صندوق السيارة..


الحطاب شاعر عراقي من جيل السبعينات، وهو من مواليد 1950 في البصرة. يعتبر مؤسس للأدب التسجيلي في العراق. تعرض لمحاولة اغتيال في عام 2008. ترجمت قصائده إلى لغات عديدة منها الإيطالية والألمانية والإنجليزية والكردية، من مؤلفاته: سلاما ايها الفقراء،يوم لايواء الوقت ،  شتاء عاطل ، اكليل موسيقى على جثة بيانو، أنه الوطن.

إرسال تعليق

0 تعليقات