الكهرباء وبازيان الأرض الحرام

مشاهدات



سحبان فيصل محجوب 


في ليل شتائي بارد جدا من منتصف ثمانينيات القرن الماضي انطفئت الأنوار عن مدينة السليمانية شمال العراق وحل فيها ظلام دامس بشكل تام، تتغذى المدينة والمنطقة المحيطة بها من خلال خطين رئيسين يعملان بجهد (١٣٢ كيلو فولت) ينقلان الطاقة إليها من محطة كهرباء كركوك ويمر مسارهما، عبر مدينة جمجمال، ثم منطقة بازيان، ومن ثم طاسلوجة وصولاً إلى محطة كهرباء المركز في مدينة السليمانية، يضاف إليهما خط تغذية ثالث من محطة معمل سمنت طاسلوجة، وفي حالة توقف هذه الخطوط عن العمل يحدث انقطاع شامل للكهرباء عن المدينة وهذا ما حصل فعلاً في تلك الليلة.

تم تحديد موقع العطل، الذي أدى إلى توقف عمل خطي (كركوك- السليمانية) بوساطة جهاز خاص (فولت لوكيتر)، الذي يجيد استخدامه بمهارة مهندسي شبكات كهرباء المنطقة الشمالية وتبين أن الموقع في منطقة بازيان القريبة من مدينة السليمانية.

عندما حل الصباح وكسياق نتبعه في معالجة كل الحالات التي تحصل في هكذا ظروف وغيرها تحركنا، على وجه السرعة (كنت، حينها، المدير الفني للشبكات ومقرها محافظة التأميم)، مع الفرقة الخاصة بصيانة الخطوط إلى المنطقة المحددة وتوجهنا سيراً على الأقدام مسافة طويلة (بعد ترك العجلات على حافة الطريق الرئيس الرابط بين مدينتي كركوك والسليمانية) إلى مسار الخطين واللذين يمران بمنطقة وعرة لا تسمح بمرور العجلات، عند اقترابنا من منطقة العطل فوجئنا بوابل من الرصاص الكثيف وقنابر الهاون، من العصاة الامر الذي اضطرنا ان نعود إلى عجلاتنا من دون خسائر (الحمد لله)، واتجهنا إلى موقع عسكري قريب (ربية) حيث كنا نعتقد أن ما حصل قد يكون نتيجة للاشتباه من قبل الربايا القريبة لعدم إبلاغهم بوجودنا، كما هي السياقات حينها في مثل هذه الحالات، بعد الاتصالات، التي أجراها آمر الربية تبين وكما توقعنا أن ما تعرضنا له كان بفعل مجموعات مسلحة متمردة على الحكومة.

اتجهت إلى مدينة السليمانية لطلب الدعم من آمرية موقع السليمانية لتأمين منطقة العمل وتنفيذ أعمال الصيانة المطلوبة، وتم هذا، باستجابة سريعة وشجاعة، وتمت إعادة الخطين إلى العمل وتغذية مدينة السليمانية بالتيار الكهربائي حيث عادت إليها الأنوار بمدة غياب لم تتجاوز ال ٢٤ ساعة.

في أثناء العمل وبذهن مضطرب تحت الرصاص وأصوات انفجارات القنابر وأنا بين رجال الصيانة، الذين تنتظر عائلاتهم عودتهم سالمين، انبثق أمامي العديد من التساؤلات، منها: (ما دوافع هؤلاء العصاة لكي يمنعوا عودة التيار الكهربائي إلى سكان المدينة ولمصلحة من يخربون خدمة يحتاجها ابناء بلدنا ومن المستفيدمن ذلك؟ .. من يوجههم ويمولهم؟.. إذا كانت مشكلتهم مع الحكومة لماذا يستهدفون الأبرياء من العاملين؟).

حينها، أدركت أن حجم التآمر على وطني العراق كبير ومتعدد الأشكال ويتم تسخير كل النفوس الضعيفة وما متاح لهم من وسائل قذرة حتى القتل.

مهندس استشاري

إرسال تعليق

0 تعليقات