"أششش"

مشاهدات



لبنى الحرباوي


شعوب كثيرة مثّلت في الفترة الأخيرة صدى يتردد في كل العالم، لطبل كبير فارغ يطرق عليه البعض بكل ما يمتلكون من قوة.

السكوت من ذهب

مازلت أخوض المعركة الأهم في حياتي ألا وهي أن أسيطر على انفعالاتي أو بالأحرى أدرّب نفسي على تعلّم كيفية إبقاء فمي مطبقا.

علمت متأخرة أن “الصمت” هو أكثر الأشياء قيمة في العالم. ورغم أنني كنت كغيري أحفظ أمثلة لا تحصى ولا تعد تدلل على قيمة الصمت، مثل “الصمت، فنّ حاول إتقانه ولن تفشل أبدا في تحقيق ما تريد”، إلا أنني لا أطبق أيّا منها.

بعد تجارب كثيرة، أدركت أن الصمت أيضا، يحتاج إلى شجاعة كافية أكثر كثيرا من الكلام. قرّرت أنه يجب أن أصمت حفاظا على صحّتي العقلية على الأقل.

كان عليّ أن آخذ بتلك النصيحة القديمة التي حصلت عليها في بداياتي “أن لا أدخل في معارك خاسرة”. لكن لسوء حظي خضت كل المعارك الصغيرة التي كنت أعرف نتيجتها مسبقا أملا في أن تكون النتيجة مختلفة.

يجب أن نصمت على الذين لا يستطيعون إفحامنا بذكائهم، فيربكوننا بترّهاتهم أو غبائهم.. الأمر سواء.

لم أصل إلى “مثالية الصمت” لكنني أحاول. أملي على عقلي يوميا بسبب أفكاره التي تتنطط وتكاد نخرج من عيني كلمة واحدة “أش.. أش.. أششش”.

تبدو لي “أششش” أكثر العبارات إعجازا وعبقرية التي اخترعتها البشرية..

تترجم في الفصحى إلى عبارة “صه!” هي اسم فعل أمر مبنيّ، وهو بلفظ واحد للجميع المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنَّث، ويكون نكرة إذا نُوّن ومعرفة إذا لم ينوَّن، فإذا قلت: صَهْ، فمعناه دع حديثَك هذا لا تمضِ فيه، وإذا قلت، صَهٍ فمعناه دع كلَّ حديث ولا تتكلَّم.

تثبت الأحداث الكثيرة من حولنا، أننا بحاجة إلى أن نبثّ في أبواق ضخمة كلمة واحدة طوال اليوم “أششش” أملا في أن يقتنع بها البعض أو على الأقل يطبقونها.

تشبه النقاشات، العقيمة في مجملها، اليوم ضربا قويا على الطبول كلما علت، كلما صمّ صداها الآذان.

الأمر بات ينطبق على الشعوب أكثر من الأفراد.. شعوب كثيرة مثّلت في الفترة الأخيرة صدى يتردد في كل العالم، لطبل كبير فارغ يطرق عليه البعض بكل ما يمتلكون من قوة. لا تتعلم هذه الشعوب الدرس أبدا. تصر في كل مرة على أن تكون صدى. تنظم مرة بعد أخرى حلقات لا تنتهي من العويل واللطم وقد صدق المثل الذي يقول فيها “الطبل متعلم على اللّطم”…

لا يعرف هؤلاء أنه لا بد أحيانا من لزوم الصمت ليسمعهم الآخرون. الصمت فنّ عظيم من فنون الكلام.

إرسال تعليق

0 تعليقات